آخر تحديث: 21 / 7 / 2018م - 12:11 ص  بتوقيت مكة المكرمة

وجعُ الكاتب

لو وجدتَ سوقاً للأيامِ والسنين يبيعها الناسُ بحفنةٍ من الريالات هل تشتري منهم؟ في كُلِّ مكانٍ في الدنيا هناكَ ذاكَ السوق يفتح أبوابه كُلَّ يومٍ وقليلٌ من يشتري منه. ليس ذاكَ السوق سوى المكتبة والباعةُ من يكتب وانتَ من يشتري منهم ما قضوا ساعاتٍ واياماً وسنيناً يكتبون.

من يكتب كتاباً في العلومِ المادية أو الدينية أو الأدب ربما يقضي عشراتِ السنين فيما يكتب ويبحث ويدقق وفي ملخص ذلك كله قد لا يجد من ينشر أو يشتري. ليس كل من يكتب محتاجاً ويكتب للمال ولكن ليس كل من يكتب لا يحتاج المال. الكثيرُ من الذين يسكبون فكرهم في كتابٍ للناس يتبرع أصدقائهم أو من يؤمن بمواهبهم في نشر كتاباتهم. أصبح البحثُ عن المصادرِ أسهل وأسرع منه في السابق ومع هذا لا يتغير ثمنُ الوقتُ الذي تأخذه الفكرةُ وصياغةُ الكلمةِ من الكاتب.

لك أن تكونَ من عصرِ الكتابِ الحديث الذي تستطيعَ أن تأخذه وتقرأهُ متى وكيفما شئتَ دونَ ثمن ولكن ليس لك أن تكون ممن لا يعشق هذا ولا يهوى ذاك. في عصرِ التفاهاتِ يتوجعُ الكُتَّابُ والكاتبُ والمكتبة وحتى المدنُ التي كانت تزخر وتفخر بجنونِ كتابها وأدبائها أصابها الوجع. لابد لمن يقرأ أن ينظر ايها أزكى فكراً في الكتبِ والكُتَّاب ولكن ما يعطيه الكتابُ من عُمْقِ الفكرةِ وثباتها يفوقُ كُلَّ ما يرسله الناس دون تزكية الذي في أغلبهِ يبهت لونه وتقل فائدته في المساء.

يكبر ألمُ الكاتبِ حينما تسرقُ أدواتُ اللعبِ الوقتَ من القارئِ الصغير الذي أصبح يلهو في غابةٍ لا يرى فيها كتاباً إلا ما قل وأصبح صوتُ من يشجعه على الكتابِ أشبهَ بصوتٍ في البراري لا يسمعه أحد أو من يُقنع الريحَ ألاَّ تهب. لا ريبَ أنَّ الكتابَ أصبح في يَدِ كل من يهواه لكنْ من يقرأ والأشباحُ تتراقص وتدعوهُ أن يلهو معها؟ لن يستجيب لكم أبنائكم في كُلِّ أمرٍ ولكن علموهم ورغبوهم في القراءة. عتمةُ العقولِ لن تسمحَ أن يصبحَ كُلُّ طفلٍ كاتب أو عالم ويكفي أن يكونَ في كُلِّ مجتمعٍ وفي كُلِّ سماءٍ بعضُ نجومٍ تلمع. لابُدَّ أن يجدَ صغيركَ ما يستهويه من كتابٍ يغفو معه بدلاً من ساعاتِ السهر التي يقضيها في ليلِ إجازة طويل فهلا اخذتَ غداً بيده إلى المكتبةِ واشتريتَ له كتاباً يستعذبه!

رائحةُ ورقِ الكتابِ تشبه رائحةَ الشجرةْ ومن عنده كتبٌ من ورقٍ تسحرهُ رائحةُ الحدائقِ التي جاءت منها. يمكنك أن تقرأ كُلَّ كتابٍ في السوقِ دون أن تشتريه لكن عندما تشتريهِ أنت تصافحُ يد من كتبه وتقول له شكراً على ما كتبت. لا يجب أن يعيشَ من يبني العقولَ فقيراً في العصرِ الذي يجني فيه من يلعب ومن يملأ الفضاءَ بالفراغِ ما لن يجنيه أجيالٌ من البشر مدةً طويلة.

الكاتبُ في كل زمنٍ أرخصَ يدٍ تستأجرها أو تملكها. يبيعكَ المجنونُ في الكتابةِ عشراتِ السنينَ من سهرهِ وتعبهِ وسفرهِ وعواطفهِ بمالٍ لا يساوي استئجارَ عاملٍ لساعةٍ من الزمن. حقاً إنه الجنونُ الذي يُسْعِدْ من يقرأ للكاتبِ ما كَتَبَ في ساعةِ الجنون...

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
طاهرة آل سيف
18 / 7 / 2018م - 12:46 ص
وجع ماكتبت حقيقة وواقع ، ومايوجع أكثر في هذا الزمن حين امتدت يدُ الفارغين فكراً ليرتقوا بأنفسهم في حرم الكتاب ، تُذيَّلُ كتبٌ بأسماء التافهين وتلقى لها سوقاً ، فيُزاحمون بها من هم بالكتب أولى وأحق ..
بات الوقوف أمام الأرفف واختيار كتاب في الأدب أمراً صعب لازدحام الكلمات المتطايرة بنغم متشابه ولافائدة تُجنى ..
أكرر امنياتي أن نرى يوماً قلم الأستاذ هلال في كتاب ..
مستشار أعلى هندسة بترول