آخر تحديث: 20 / 4 / 2014م - 1:57 ص  بتوقيت مكة المكرمة

العمل التطوعي المعاق

أمين محمد الصفار *

يشهد العالم الآن ثورة حقيقية للقطاع الخيري والأجتماعي وهما أقرب مضمار للعمل التطوعي، وبدأت تثمر هذه الثورة من خلال بروز هذا القطاع كقطاع له حجمه وإعتباره بين القطاع العام والقطاع الخاص في اقتصاديات بعض الدول، ويدعم ذلك ظهور عدة جمعيات خيرية برؤوس أموال ضخمة تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات ولا تتمتع بأي دعم حكومي وبالتالي هي مستقلة بذاتها وليس لها أي مظلة حكومية وهذا هو الأصل في العمل الخيري والأجتماعي، ولعل أشهر مؤسسة خيرية هي مؤسسة بل جيت وزوجته الخيرية «مؤسس شركة مايكروسوفت».

في المملكة يثقل القطاع الخيري ميزانية الدولة بالكثير من المليارات سنوياً، ولديه الآن مبادرات تحظى بتشجيع ودعم حكومي للأعتماد على مصادره الذاتية، حيث أن الاعتقاد العام لهذا القطاع وبعد هذه الأعوام من نشأته أنه قد بلغ سن الرشد الذي يمكنه من البدء بالاعتماد على نفسه في تأمين مصادر دخل مناسبة من خلال السماح له بالاستثمار وإنشاء الجمعيات الخيرية إدارات أستثمار التي يمكنها أن تخفف من حجم النفقات الحكومية المرصودة للقطاع، وبالتالي يقل حجم دعم الدولة لهذا القطاع الهام تدريجياً لصالح الدور الرقابي والتشريعي.

في الجانب الأخر أيضا وهو القطاع الخاص المحلي لا يمكننا اعتباره الأسوة الحسنة للعمل التطوعي، إذ أنه بالرغم من تطوره وحجمه والدور الذي يقوم به مازال حقيقة يقتاد على الدعم الحكومي ولم يطور ذاته بعد للإعتماد على إمكانياته الذاتية للإنتاج الحقيقي، وهذا الأمر يشمل كل مفردات القطاع الخاص بدأً من كياناته الكبيرة مثل البنوك وإنتهاءً بقطاع الخدمات. لذا فأقتصادنا مازال ضمن دائرة الأقتصاد الريعي، وهذا الأسم هو المصطلح التجميلي تحاشياً للأسم الأكثر دقة.

في المملكة وفي منطقة القطيف تحديداً يمتاز القطاع الخيري عن غيره من مناطق المملكة بأنه القطاع الأكثر كفاءة في استخدام مداخيله السنوية بالمقارنة مع مصروفاته الإدارية التي تعتبرالأقل بالرغم من تواضع ميزانيات الجمعيات التي تعمل بالقطيف مقارنة بكثير من الجمعيات في المناطق الأخرى في المملكة، ولعل هذا أحد العناصر التي تجعلها تحظى بشعبية مميزة في وسطها مقارنة بالمناطق الأخرى.

أما إذا تحدثنا عن العمل التطوعي في منطقة القطيف ايضا فهو بالتأكيد مميز مقارنة بالمناطق الأخرى ليس فقط في تنوع قنواته بل أيضا بتلقائية الدافع واستقلالية المبادرة، فهو لا يعتمد في إنطلاقته ونشاطه على الدعم الحكومي، بل على جهود أفراده المتطوعين وقدراتهم في ضم العدد المناسب لتنفيذ تلك الأنشطة التطوعية الجماعية التي تخدم المجتمع، وهذا هو جوهر العمل التطوعي الذي يفهمه العالم أجمع، إضافة إلى روح الإبتكار التي لديه هو ما يجعله مميزاً بين الكثير من المبادرات والأنشطة التطوعية في المملكة. أن العمل التطوعي بمنطقة القطيف استطاع تقديم عدد من الأنشطة التراثية والثقافية والأجتماعية كعمل تطوعي خالص متميزاً عن كثير من الأعمال المشابهة التي تقام على مستوى المملكة والتي تحظى بدعم وتمويل حكومي أو شركات القطاع الخاص.

أسدل الستار قبل أيام عن النسخة الرابعة لمسابقة جائزة القطيف للإنجاز، وهي عمل تطوعي حظى بتقدير إجتماعي كبير، كما أنه في مثل هذه الأيام من كل عام يقام مهرجان الدوخلة للتراث والثقافة بالقطيف وهو يحكي التراث القطيفي تحديداً، وهو - كما أدعي - نسخة مصغرة من مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة، ويصل صداه إلى دول الخليج التي عادة ما يشارك بعض أبنائها فيه، كما أنه من أبرز أنشطة العمل التطوعي في منطقة القطيف والمنطقة الشرقية عموماً بالرغم من حداثة عمر المهرجان.

لكن يعاب على كلا النشاطين الرائعين دخولهما اللاحق تحت مظلة حكومية - مظلة حكومية أصغر من صغرى هيكلياً - إذ أن العمل التطوعي تحت المظلة الإدارية الحكومية مهما كان حجمها يتعارض وطبيعة العمل التطوعي المؤسسي، كما أن هذه الخطوة ليس لها أي إضافة ملموسة تذكر للعمل، لا من حيث سرعة الحصول على التصريح لنشاط سنوي معروف ولا من حيث تحمل الأعباء الثقيلة للخيم التي يحتاجها مهرجان الدوخلة على سبيل المثال، بل حتى السماح «الموافقة» بإنشاء بناء دائم للمهرجان، سيما إذا قارنا ذلك بمهرجان الجنادرية الذي هو تحت مظلة وإدارة ودعم وزارة الحرس الوطني التي تتحمل كل أعباء مهرجان الجنادرية.

أن مجرد إظهارهما وأي عمل تطوعي مؤسسي تحت أي مضلة حكومية مهما كان شكلياً يخرج العمل من دائرة العمل التطوعي المعروف إلى دائرة الازدواجية «تطوعي حكومي» ومن ثم تظهر عليه علامات العمل الحكومي والأعباء التي تؤثر على مستوى الأداء من حيث مستوى المرونة والسرعة والإبداع الذي يتمتع به العمل التطوعي، كما يخشى أن يتحول تدريجياً إلى عمل حكومي بحت بوجه تطوعي.

من استمع لكلمات ممثلي الأجهزة الحكومية في افتتاح مهرجان الدوخلة التاسع يدرك جيداً كيف هي الصورة لدى هذه الأجهزة عن المهرجان. كلمات بدأت وكأنها مهرجان تسابق لأثبات المشاركة الجليلة لكل جهة في هذا المهرجان، حتى كاد ليخيل للسامع أن إدارة المهرجان كان دورها تشريفي وأن تلك الجهات الحكومية هم أصحاب العمل التطوعي، في حين أن جميع ما قاموا به «مشكورين» هو ضمن دائرة طبيعة مهام عملهم وواجبهم.

من يشاهد أهالي منطقة القطيف ينتشرون بطول الساحل الشرقي من منيفة مروراً بالجبيل والدمام وليس إنتهاءً بالخبر والعقير يقطعون كل هذه المسافات بحثاً عن شاطىء يقضون فيه وقتاً ممتعاً يمارسون فيه السباحة والتمتع بصفاء رماله، كل هذه المساقات تقطع فقط لأنه ليس في القطيف الساحلية بجزيرتها تاروت أي شاطئ لأهاليها فضلاً عن زوارها، من يشاهد هذا المنظر يدرك جيداً مدى إنفصال كلمة ممثل بلدية القطيف وممثل هيئة السياحة والآثار عن الواقع الذي يعيشه أهالي منطقة القطيف.

لقد اعتلت تلك الجهات في يوم افتتاح مهرجان الدوخلة منصة عمل تطوعي خلاق ينافس بإبداعه وعنفوانه مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة التي ترعاه وتديره وتشرف عليه وزارة هامة كالحرس الوطني، هم مطالبون بأن يكون أدائهم لخدمة المنطقة يتناسب مع تاريخ وجغرافية منطقة القطيف، كما أنهم مطالبون أيضا بأن تكون مشاركتهم في العمل التطوعي الذي يبادر به أبناء المنطقة منافساً أيضا لحجم «مشاركة» وزارة الحرس الوطني في مهرجان الجنادرية.