آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 2:22 م

ديوان العرب الحديث: الشعر أم الرواية؟

حسن آل حمادة *

ما جدوى الشعر؟

وهل لا يزال هو ديوان العرب، أم نافسته الرواية في ذلك؟

توجهت بهذين السؤالين لمجموعة من شعراء وأدباء «الساحل الشرقي» من بلادنا، خصوصًا شعراء واحة القطيف. وأنا أسعى من أجل إنجاز هذا التحقيق تساءلت مع نفسي بعد أن وضعت السؤال الأول في مخيلتي قائلًا: كيف تجرأت بأن تطلب إجابة عن هذا السؤال الساذج؟ إذ هل يعقل أن أسأل عن «جدوى الشعر» في واحةٍ تتنفس شعرًا.. تبكي شعرًا.. تفرح شعرًا.. كيف أتجرأ على طرح هذا السؤال عن الشعر الذي قيل أن الحياة تصبح أقل جدارة إذا خلت منه؟

لا أخفي على القارئ العزيز أن البعض اعتبر الشق الأول من السؤال استفزازًا! وفي مكالمة مع أحدهم، ما كدت افرغ من طرح السؤال الثاني، حتى صرخ في وجهي والحماسة تملؤه من رأسه حتى أخمص قدميه، وهو يقول: نعم الشعر ديوان العرب وسيبقى كذلك مهما تقّول «أهل الرواية»!!

بهذه الكلمات البسيطة استهل هذا التحقيق، الذي أرجو أن يفتح المزيد من الأسئلة، والمزيد من الأجوبة.. فثقافة الأسئلة ضرورة ملحة لتحريك المياه الراكدة، عسى أن أكون قد وفقت والحُكم للقارئ.. أخيرًا لم يبقَ لي إلاّ أن أصرح بملاحظة كلاسيكية تتعلق بترتيب الإجابات فقد خظع التقديم والتأخير لأمور فنية لم تراعَ فيها مكانة المُتحدث، سواء العلمية أو الأدبية أو الاجتماعية..

الحلقة الأولى:

أولًا: عن جدوى الشعر:

بداية تحدث الأديب «سيد حسن العوامي» عن جدوى الشعر، قائلًا: إن الشعر مازال ولا يزال رافدًا من روافد حضارات الأمم، ومعلمًا من معالم رقيها، فالشعر يستنهض الهمم، ويثير العزائم ويشحذ المواهب، وفيه الحكمة والبلاغة والإيجاز، وفيه القدرة على إيقاظ القوة في النفوس وتحفيز الإرادة، وإثارة النخوة، وفيه طيب الكلمة وبليغ التعبير وحسن الأداء، وإطراب النفوس وبعث الأريحية، وفيه الكثير الكثير من معاني الخير والتوجيه للأخلاق الكريمة، وتهذيب النفوس، وتقويم المعوج من السلوك، فالشعر له فاعلية تحيي الميت من الأنفس وتنبه النائمين على فراش الذل والهوان والغفلة والنسيان، لذلك يبقى الشعر ما بقي الإنسان على هذا الكوكب.

أما الشاعر «عقيل بن ناجي المسكين» فأجاب قائلًا: برأيي جدوى الشعر تنتج من كونه يلامس أوتار المشاعر والأحاسيس بالنسبة للمبدع والمتلقي معًا وهو ما لا تقدر عليه اللغة الاعتيادية التي تخاطب العقل مباشرة، والإنسان بإنسانيته المتكاملة ليس عقلًا فقط بل هو منظومة من المشاعر والأحاسيس والعاطفة أيضًا، ولأن العقل حظي بالكثير من التوجه والاهتمام في حياتنا فلا بد من وجود توازن فكان الشعر.

ويبدأ الشاعر «شفيق العبادي» حديثه قائلًا: سأعيد تشكيل السؤال ليصبح هكذا، ماذا تعني لنا القصيدة؟ والجواب حسب رأيي أن حقيقة القصيدة الشعرية لا يمكن اختزالها في كونها قالب جمالي يقوم على ركائز محددة كما هو مصطلح عليه في عرف النقد الأدبي، بل تتعدى ذلك إلى كونها عنوانًا لمناخ فكري تتماهى معه في تجريد الصورة، وهي أحد العلامات الفارقة للقصيدة الشعرية، لذلك فالقصيدة هي اللون الوحيد من بين الألوان الأدبية الأخرى التي عانت من محاولات التجريح، ومحاولات التشكيل، والرغبة في الإلغاء في نهاية المطاف والتي لم يكن لها أثر واضح لمقدرة القصيدة دومًا على التأقلم مع مختلف الظروف المحيطة، وقراءة الواقع والتعامل معه. والسبب في ذلك ما أبديته في صدر الجواب. فلا عجب إذًا أن تستحق وبجدارةٍ مسمى «ديوان العرب» وستظل كذلك.

وتحدث الشاعر «عدنان السيد محمد العوامي» صاحب ديوان «شاطئُ اليباب» - الديوان الذي استهواني - قائلًا: بدايةُ السؤال يمكن أن تصاغ بصيغ شتى مثل: ما جدوى الفن؟ ما فائدة الموسيقى؟ أو ما نستفيد من صور الجمال في الرسم والنحت والتصوير؟ ماذا يجد الناس في الحدائق والخمائل ورمال الشواطئ؟ ما عسى أن ننتفع من أعشاب الحقول؟ وشجر الغابات؟ عطر الأزهار وألوان الفراشات ما ننتفع من النظر إليها؟ وأكثر تلك الصيغ اختصاراً من هذا أن تسأل ما قيمة أن تجسد المشاعر الإنسانية من حزن أو فرح، من غضب أو رضى. أن تحس بالألم أو تعانق الأمل، أن تأني للحظات الانتصار أو تجزع من بشاعة الخيبة والانكسار، في عالم طغت عليه المادة حتى أصبح كل شيء فيه يقاس بمقدار المردودات والمصالح المالية؟ هذه ومثيلاتها من الصيغ لا مشاحَّة أن نضعها بديلًا لسؤالنا ما جدوى الشعر؟ «الجدوى» مصطلح تجاري بحت وما أبشعه من مصطلح يخدش شفافية الذائقة ونقاء الإحساس بالجمال.

ويتفق مع هذه الرؤية عن جدوى الشعر، الشاعر «بدر الشبيب» بقوله: السؤال عن جدوى الشعر ينطوي على افتراض وظيفة نفعية للشعر، وهذا مفهوم تجاوزه الزمن، فالشعر وظيفته الأساسية جمالية من حيث هو رسم بالكلمات يهدف إلى تحقيق غاية هي خلق المتعة الجمالية لدى المتلقي. فهو في هذا يشبه الفن التشكيلي مع اختلاف الأذواق. وهذا لا يعني أن الشعر للشعر فقط، بل يعني التركيز على الجانب الفني دون إغفال المضمون.

ويواصل الشاعر «عدنان العوامي» حديثه مستطردًا: عرَّف العرب الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى، وهو تعريف خائب لأنه يصف جمادية الهيكل، وكلسية الشكل، تعريف يسقط أهم رونق في الشعر وهو الروح.

وعرف الغربيون الشعر بأنه نقد الحياة كما عند ماثيو آرنولد، وهو تعريف أكاديمي صارم لا يرى غير مخلب الهدهد أو منقار الحمامة.

ووصفه وليم ورد وورث بأنه «تدفق المشاعر بعفوية» وهذا تعريف استلابي على طريقة الغربيين، فإن تدفق المشاعر ليس حالة موقوفة على الشعر وحده، وإنما هي حالة عامة في كل أشكال التعبير.

أما صمويل كوليريج فإنه بوصفه الشعر بأنه «أحسن الكلمات مصوغةً في أحسن نظم» لم يعدُ تعريف النحويين العرب بأنه الكلام الموزون المقفى. وهذا لا يختلف عن وصف بيرسي شلي للشعر بأنه «التعبير عن الخيال» إلاّ في حصره في هذا الحيز الصغير. والظاهر أن الأقرب إلى الصواب هو تعريف القائلون بأنه فن تصوير الجمال بالكلام المنغم، وعاؤه اللغة الأنيقة المموسقة، وأداته البراعة الرمز والإيحاء. هو ذلك التعبير المتمرد على التعريف لما يبض به من شفافية ووهج، وبما له من خصائص تقاس بتأثيرها الجمالي، وتأخيذها السحري لا بجدواها وما تنتجه من منفعة في ميزان الربح والخسارة.

وفي إجابة للشاعر الأحسائي «محمد الجلواح» بدأها هكذا: تسألني.. يارفيق الحرف.. ما جدوى الشعر؟ كيف تسأل شاعرًا يتنفس شعرًا وينافس الشعرُ الدَّمَ في جريان جسمه.. ما جدوى الشعر؟

إن الشعر.. هو نقطة الالتقاء التي تتوجه إليها خطوط نسيج هذا الكون.. وهو قَدَرُ المرء العربي وحلمه وأمله وغناؤه، وصراخه، وعرسُهُ وموته.. تسألني.. ما جدوى الشعر..؟

ما جدوى الشعر؟ / ما جدوى الحياة؟!

تسألني.. يا حسن.. ما جدوى الشعر..؟

آه.. كم يكبر هذا السؤال في حشرجة روحي؟

الحلقة الثانية:

ويمتد السؤال.. هل الشعر «ديوان العرب» أم أن زحف «الرواية» بما توافر لها مؤخرًا من زخم على الشارع الثقافي، قد داهم الحضور الطاغي للشعر.. وصار يهدد إمبراطوريته الأمر الذي جعل الناس تراجع المقولة الخالدة.. «الشعر: ديوان العرب» وهل ما زال لهذه المقولة ذات الواقعية.

«اقرأ» تستكمل في هذا العدد «الجزء الثاني والأخير» من مناقشة هذه القضية في جولات فكرية وسط جملة من الفعاليات الثقافية...

ثانيًا: هل لا يزال الشعر هو ديوان العرب، أم نافسته الرواية في ذلك؟

يؤكد الأديب «سيد حسن العوامي» على أن: الشعر لم يعد ديوانًا، كان ديوانًا حين كان أربابه في حال انتقال وارتحال لا يعرفون للاستقرار سبيلا، ولا للإقامة الدائمة موضعًا، ولم يكن التدوين لدى العرب متيسرًا، ولا الكتاب متداولًا، ولا المطبعة لها وجود، ولا العلم منتشرًا، ولا التعليم قائمًا، فكان الشعر هو الأداة للتعبير عن خلجات النفس في كل ما يجول بخاطر صاحبه، وكانت العرب في قتال مستمر وتنافر لا يفتر له أوار، فكان الشعر وقود الحماسة، وسيف القتال، ورمح المنازلة، وكان في نفس الوقت أداة التفاخر، وتسجيل الوقائع، وحافظ للأنساب، ومعبرًا عن وصف الحياة، لذلك أُطِلق عليه ديوان العرب، لفقدهم غيره من ألوان الثقافة، لهذا لا تسمع هذه المقولة عند الفرس رغم ما عندهم من الشعر الملحمي فضلًا عن سواه، ولا عند اليونان مع وجود الإلياذة وغيرها، حيث تملك الأمم ذات الحضارات رصيدًا من المعارف، والشعر أحدها، إما العرب فكانوا في الفترة ما قبل الإسلام لا يملكون شيئًا.

وحين أصبح العرب كغيرهم من الأمم لهم حضارتهم وثقافتهم وهويتهم وانخرطوا في سلك العلوم والمعارف، وأصبحت مؤلفاتهم ومدوناتهم تقف على أقدامها مرفوعة الهامة والقامة لم يعد الشعر لهم ديوانًا، فديوانهم كل ألوان الثقافة والحضارة من شعر وقصة ورواية ومسرحية وفن ترصد آثاره في الصحيفة والمجلة والكتاب، وعلى محطات الفضاء يومًا بعد يوم، وساعة بعد أخرى.

أما رأي الشاعر «المسكين» فكان على النحو التالي، في تصوري أن القدامى عندما أطلقوا عبارة «الشعر ديوان العرب» لم يكونوا يضعون في مخيلتهم أو على مساحة تفكيرهم أن هناك فنًا آخر يمكن أن يحل محل الشعر وله ماله من المكانة عند سُراة القوم ووجهائهم وملوكهم وأمرائهم ناهيك عن الفصحاء والأدباء والشعراء أنفسهم عل كثرتهم في بلاد العرب هنا وهناك.

ثم إن الشعر قديمًا كان يُسجل المآثر والأحداث والمناسبات والمنعطفات التاريخية فكان بحق أرقى خطاب ثقافي اتسم بالإبداع والروح الفنية من هنا أيضًا أطلقوا عليه «ديوان العرب».

وهناك تحفظ على هذه العبارة أيضًا حيث أن الشعر قديمًا لم يكن ديوان العرب فقط بل كان ديوان كل الشعوب فاليونان القدامى مثلًا كانوا بارعين أيضًا في الشعر واقرأ عل سبيل المثال إلياذة هوميروس والاوذيسة، واقرأ أيضًا التراث الشعري لحضارة فارس وبلاد الهند وغيرهم.

يواصل «المسكين» حديثه مشددًا على أن إحلال فن مكان فن آخر عملية غير منطقية بتاتًا، فالرواية في وادٍ والشعر في وادٍ آخر!! أما ما يقال أن الرواية أصبحت ديوان العرب لأن دورها أصبح أكثر من دور الشعر ليس إلا فهذه عبارة تحتاج إلى نقاش أيضًا.

وفي إجابة للشاعر «شفيق العبادي» تساءل قائلًا: هل يمكن أن تلغي الرواية دور القصيدة؟

وأكمل بعد أن وضع التساؤلات التالية:

أولًا: لابد من تحديد أي نوع من الروايات تلك التي يراد له أن يكون بديلًا عن القصيدة؟

ثانيًا: من الذي يقرر ذلك، المتلقي، أم الراوي، أم طرف ثالث.

ثالثًا: ما السبب وراء توقيت الطرح بصوتٍ عالٍ رغم وجود الجذور التاريخية للرواية والتي تلتقي مع الشعر في نفس التربة الإبداعية. كل هذه الأسئلة لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار في حالة الإجابة عن السؤال الآنف الذكر، لكني سأترك مساحة من الحرية لقارئي الكريم لإملأ الإجابة حسب قناعاته الخاصة، وليس كما يدعي أساطين النقد، وفي نفس الوقت يأممون هذه الحرية حينما يقلمون أغصان السدرة الأدبية كيفما يشاءون، ولأغراض لا نعلمها، نحن، ولا حتى هم، ولكن الذي نعلمه أن القصيدة باقية، والقصة باقية، والرواية باقية وجميعهم قادرون على التعايش السلمي شرط أن لا نسقط قضايانا على هذه الأسرة الوادعة، والزمن خير شاهد على ذلك.

أما الشاعر «عدنان السيد محمد العوامي» فأشار إلى أن: نعت الشعر بأنه ديوان العرب يحمل معنيين؛ أولهما الديوان بمعنى المكتب حيث تدوين الحوادث والأنساب والحقوق والسير وما شابه مما يحتاج الناس فيه للتدوين، والثاني بمعنى المجلس حيث المسامرة والمذاكرة، والبدوي القديم لم يكن صاحب كتابة فاعتمد على ذاكرته، وعلميًا فإن ذاكرة الأمي تنمو وتقوى أكثر من ذاكرة الكاتب لاعتماده عليها، ولأن الشعر هو أسهل الفنون حفظًا صار الشعر هو السجل والمرجع، وظل هكذا طيلة العصر الجاهلي وشطرًا من العصر الإسلامي، لكن منذ بداية عصر التدوين أخذ الاعتماد عليه يقل تدريجيًا بدخول الكتابة في الميدان، لكن أهمية الشعر وقيمته ليس في كونه ديوانًا أو سجلًا وحسب حتى يفقد قيمته بالعدول عن حفظه في الذاكرة إلى استخدام الدفتر كما استعيض - الآن - عن الآلة الكاتبة بالحاسب الآلي، فالأمر ليس بهذه السذاجة حين ننظر إلى الشعر بوصفه أحد أرقى الفنون الإنسانية.

وأمَّا الرواية فإنها وإن كانت أحدث نسبيًّا من الشعر إلاّ أنها قديمة، وربما عرفها العرب قبل ألف ليلة وليلة وغيرها، فهذا الجاحظ «ت 255» في المحاسن والأضداد يروي لنا شيئًا من قصص العرب وحكاياتهم، وفضلًا عن ذلك فإن الفنون الأدبية كثيرة لا تنحصر في الشعر والرواية، وقد عاشت متآلفة بعضها إلى جنب بعض ولم يغن أحدها عن الآخر، فالإنسان ذو مزاج متنوع بطبعه، وفي ظني أن الشعر والرواية ليسا من التضاد والتعارض بحيث يكون نمو أحدهما مدعاة لانحسار الآخر.

وفي رأي للشاعر «بدر الشبيب» يقول: أرى أن الشعر لم يعد بالفعل ديوان العرب، وهذا أمر مرغوب ومطلوب. وأذكر هنا رأي الشاعر ممدوح عدوان حول هذا الموضوع حيث يقول: ربما كان الشعر في السابق مطالبًا بوظائف ثم وصلنا إلى عصر التخصص، فتخلص الشعر من أعباء لم تكن من طبيعته... فتفرغ الشاعر لشاعريته ومن ثم صار الشعر أقرب إلى نفسه.

أما الشاعر «محمد رضي الشماسي» المحاضر بقسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة «الملك فهد للبترول والمعادن» فابتدأ حديثه قائلًا: تختصر الأمم والشعوب تجاربها الحياتية على ألسنة حكمائها وعلمائها، وذوي الخبرة فيها؛ في كلمات قليلة، وعبارات موجزة، فتكون تلك العبارات عناوين بارزة في تاريخها، ولافتات مضيئة في مسيرتها الفكرية. فعبد الله بن عباس «رضي الله عنهما» صاحب القول المشهور «الشعر ديوان العرب» إنما قال هذا لأنه وجد العرب قد سجلوا في شعرهم لغتهم، وتاريخهم، وجغرافيتهم، وبيئتهم، وعاداتهم.

ومن هنا جاء اهتمام العرب بالشعر على مدى تاريخهم الطويل. فالشعر ديوان العرب مادام هو الوعاء لعلومهم وثقافتهم.

هذا إلى جانب كونه فنًا إبداعيًا راقيًا من فنون الكلام الذي ينبع من خواطرهم فتقذفه ألسنتهم كلامًا جميلًا ترتاح إليه النفوس وتلذ به الأسماع.

وكما قيل: «الشعر ديوان العرب» قالوا عن القصة بأنها «أدب القرن العشرين»، وقالوا: «الرواية ديوان العصر».

وقال نجيب محفوظ: «الرواية شعر الدنيا الحديثة» فأنا أرى أن القصة تزاحم الشعر في هذا العصر ولكن ليس على الإطلاق في القول.

يبدو لي أن المزاحمة واضحة في أدبنا السعودي وخصوصًا في الحجاز والمنطقة الوسطى. وكذلك الحال في أدب مصر وبلاد الشام مثلًا، والشمال بينما نجد الشعر يزاحم القصة في أدب المنطقة الشرقية من المملكة وأدب الخليج العربي بصفة عامة، وخصوصًا في الطليعة الشابة من أبناء هذه المنطقة.

ولا يبعد أن مزاحمة القصة للشعر تأتي من ثقافة هذا العصر الخفيفة التي يتصف بها أبناء جيله الذين يلهثون وراء الحياة هرولة وركضًا لأجل لقمة العيش أو لأجل التحصيل العلمي الجامعي بالنسبة لؤلئك الطلاب الجامعيين الذين يمارسون حرفة الأدب مع مهنتهم العلمية.

فالثقافة «السندويجية» كما يقال هي آفة هذا الجيل الذي ابتعد أو كاد عن أصالته الفكرية والثقافية والشعر خاصة يحتاج إلى معاناة ورهق للاتصال بالأصالة والتراث قراءة وكتابة وبحثاً ومتابعة.. وهذا مالا يطيق حمله - عادة - جيل الشباب المعاصر.

عن رأي الشاعر «محمد الجلواح» في الشعر وهل لا يزال هو ديوان العرب.. تحدث قائلاً: نعم وبكل قوة، وإلى الأبد وبأعلى صراخ.. إنه ديوان العرب.. واستطرد معللًا: حسنًا سأذكر موقفًا باختصار قلته في نادي جدة الأدبي الثقافي في إحدى المحاضرات العام الماضي:

مقولة «الشعر ديوان العرب».. مقولة اختص بها الشعر ووقفت عليه دون غيره من أنواع الكتابات والإبداعات الأخرى فلماذا يريد الأخوة الروائيون الاستيلاء على هذه المقولة شكلًا ومعنى، واللغة العربية بين أيديهم بحر يتلاطم.. لماذا لا «يستنبط» الروائيون عبارة غير «ديوان العرب» التي هي عبارة خاصة بالشعر.. فقط دون غيره؟ ولماذا يريدونها «مطبوخة وجاهزة للسطو والاستيلاء»، هذا غير استقراء المفهوم العام لدى العقل العربي بأن كلمة «الديوان» لا تذهب، ولا تنصرف، ولا تُؤل إلاّ إلى الشعر.. فقط..

ثم أن هذا العصر الذي يتوارى ويضمحل فيه الشعر الحق.. والشعراء الحقيقيون.. هو عصر «الشعر الأجوف، والمزيف، والفارغ، وشعر الشعراء السكارى الذين يهرفون كثيرًا بما لا يعرفون أبدًا» وهو، وهم.. من استسهلوا الكلمة الشعرية وبالتالي أخذ الأخوة الزملاء في الجانب الآخر من الشاطئ، وأقصد زملاء النثر «ينّطون» على «حائط الشعر والشعراء المعاصرين الذي بات منخفضًا.. فكانت مقولتهم المسروقة «الرواية - لا سمح الله - ديوان العرب»..

وأخيرًا، أختم هذه السطور بهذه المداخلة للشاعر «هاشم الهاشم» يقول: كان الشعر وما يزال فن العرب الأول بلا منازع. هذا الفن الذي يعتبر هاجس يعتمل في دواخلنا أو دهشة تعترينا من هذا الكون الفسيح، محاولًا سبر أغواره من منظور فلسفة الشاعر الخاصة وحسه المرهف ورؤيته لكينونة الأشياء وما ورائها. هذا الإرث الأدبي الضخم الذي توشح به تاريخنا العريق، لا يمكن أن يتنازل عن عرشه بهذه السهولة أمام بعض أشكال الأدب الأخرى. هذا الفن الذي أصبح سمة وسليقة في أنفسنا على مدى القرون الماضية، حتى قيل إن كل عربي شاعر وإن لم يكتب حرفًا. هذه المقولة وإن كانت تنطبق على شيء من المبالغة؛ إلاّ أن فيها الشيء الكثير من الحقيقة. لذلك يقع في مغالطة كبيرة من يدعي بأن الرواية قد سحبت البساط من تحت الشعر وأخذت مكانه. ذلك أننا نؤمن بأن قاعة الإحلال لا تنطبق على الأدب وأجناسه المختلفة، فكل جنس أدبي يؤدي دوره الخاص به وله مريدوه الذين يعتبرونه القالب الفني الذي يجدون فيه أنفسهم. وكل هذه القوالب المختلفة تصب في مسيرة تكامل الأدب وسمّوه بالإنسان.

ربما تكون الرواية قد تصدرت المشهد الحالي؛ لاحتوائها على هامش كبير من الحرية والتنوع والانفتاح وقبول ما ترفضه الأجناس الأدبية الأخرى، لكن لا لأنها أقوى وأقدر على التعبير عما يختلج في صدورنا، بل لأن هذا زمنٌ انتهى فيه سادة الشعر وعمالقته ورواده الذين أبرزوه وأعطوه موقعه الحقيقي في الصدارة، وبرز أدعياء الشعر وعوام المثقفين أو أنصافهم أصحاب «النثائر المتشاعرة» على حد تعبير «القصيبي» حتى المتلقي يمل من هذه الرطانة والطنطنة، وهذه الصور الضبابية بل المعتمة حد الاستغلاق التي لا تمت لجوهر الشعر الحقيقي بصلة.

لكن نقول كل هذه الطحالب لا تغري الناظر الذي إن حدق مليّاً سيجد الجوهر الحقيقي للشعر. والدنيا تدول.

نشر في مجلة إقرأ
كاتب سعودي «القطيف».