آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 2:22 م

الحب محمد

حسن آل حمادة *

الحب محمد.. الحب محمد!

تداول الناس هذه العبارة في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وكان للتصميم الذي وضعت فيه أثره في انتشارها، وهي عبارة تستحق هذه الحفاوة، ونأمل أن نجدها معلقةً في كل بيتٍ بل في كل قلب.

لكن، حين نقول إن «الحب محمد» فهي ليست مقولة تقال للتسلية أو للتباهي، هكذا بدأ عليٌ يردد في مجلس جمعه بأصدقاء يخططون لإحياء مناسبة المولد النبوي الشريف لنبي الرحمة نبينا محمد «صلى الله عليه وعلى آله الهداة».

وحين طلب الحضور من علي أن يُفصح عن المعنى الذي أراده، أخذ يقول:

أليس مُعيبًا أن نُردد بأن الحب محمد ثم نكتشف أننا أكثر من يجهل يوميات ومحطات هذه الشخصية الاستثنائية في تاريخ البشرية؟

وللتأكد مما أقول بإمكانكم أن تبادروا بتوجيه سؤال بسيط للطلبة في مراحلهم الدراسية المختلفة، وبإمكانكم تعميم السؤال على كل فئات المجتمع رجالًا ونساءً كبارًا وصغارًا، وليكن السؤال:

ماذا تعرف عن النبي محمد ﷺ؟

ثم تمعنوا في عدد الكلمات التي ينطقونها أو يكتبونها حول سيد الخلق ﷺ، فإن وجدتم أن ما يُكتب يليق بعظمته سيّحق لنا أن نتباهى بأن الحب محمد، وإلاّ كيف نتجرأ على ادعاء محبة من لا نعرف عنه إلا المعلومات العابرة، ونكتفي بعدئذ بالتغني باسمه الشريف، كونه آخر الرسل المبعوثين رحمة للعالمين، وإنه سيد الأولين والآخرين!

نردد أن الحب محمد وحين نراجع واقعنا نجد أننا أبعد الناس عن تعاليمه ﷺ.

فمحمد هو سيد الأخلاق وقد بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، ويكفي شهادة القرآن الكريم في حقه حيث يقول - عزّ من قائل -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ[القلم: 4]، فكيف هي أخلاق من يدعي أنه يستن بسيرة من كان خلقه القرآن؟

كيف هي أخلاقنا ونحن نتعامل مع والدينا وزوجاتنا وأولادنا ومعشر الناس من حولنا؟

وهل تتجلى أخلاق محمد ﷺ في واقعنا هذا، أم أنها غائبة عنا؟

أليس من المعيب أن نردد بأن الحب محمد ونحن نخالف تعاليمه العظيمة؟

نردد بأن الحب محمد ونحن نغتاب الناس ونأكل من لحومهم الطرية!

نردد أن الحب محمد ونحن نشوه كل تعاليمه وأخلاقه التي أدخلت الناس في دين الله أفواجًا.

نردد أن الحب محمد ونحن نُقّدِّم هذا العظيم للعالم كونه داعية للقتل والنحر ونسف الأبرياء!

نردد أن الحب محمد ونحن لا نجيد لغة الحب بل نستعيض عنها بلغة الكراهية، فعن أي حبٍّ نتحدث نحن وأين هي تجلياته في سلوكنا؟

النبي محمد ﷺ كان الأنموذج الأكمل للكمال الإنساني، فهو من ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى[النجم: 8 - 9]، فأي عظمة وأي رفعة وأي مكانة وصل إليها نبي الرحمة؟

ألا ينبغي لنا أن نحاسب أنفسنا في كل لحظةٍ، لكي نكون قاب قوسين أو أدنى من ساحته المقدسة؟

ألا ينبغي أن نتبعه اتباع الفصيل أثر أمه لعلنا نصل لشيء يسير، يسير من سلوكه؟

أخشى أننا انقلبنا على أعقابنا كما انقلب القوم، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ[آل عمران: 144].

نردد أن الحب محمد ونحن لا زلنا نَغِير على بعضنا قدحًا وشتمًا واستنقاصًا وربما عدنا لجاهليتنا وصرنا نَغِير غزوًا ونهبًا وقتلًا! فقلوبنا نهشتها الصحراء وعرّتها الأحقاد البدرية والخيبرية.

قبل أن نردد بأن الحب محمد تَعالوا جميعًا ندرس نهج محمد ﷺ، لنستلهم منه الدروس والعِبر في كل جانب من جوانب الحياة.

فعندما ندعو الناس إلى الخير علينا أن نستحضر نهجه الذي أجبر حتى من تسبب له بالأذى على الإيمان برسالته، كما هو حال جاره اليهودي الذي كان يرمي القاذورات عليه، فحين مرض زاره نبي الرحمة ليطمئن على صحته، فخجل الرجل من أخلاق ومعاملة الرسول ﷺ فأعلن إسلامه.

فهل نجد الآن من يتجاوز عمّن يسبب له الأذى والأذية ويصفح عنه ليمتثل تعاليم القرآن، ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك[آل عمران: 159].

وعندما نختلف مع الآخرين في الدين أو المذهب أو الفكر، فهل ستجدنا نستحضر منطقه القرآني: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ[سبأ: 24]. أم سنبدّع الآخرين ونتهمهم بالضلال والانحراف وندّعي لأنفسنا احتكار الحق والحقيقة؟!

أحبتي.. لنتساءل بصدق قبل أن نردد بأن الحب محمد، فهل نحن أشداء على الكفّار رحماء بيننا، أم أن المعادلة قد تغيّرت!

أحبتي.. لقد تجندل الشرك وارتفع شأن الإسلام بأخلاق محمد!

فإذا رأينا قلوبنا تنضح بالحب؛ فيحق لنا حينئذ أن نردد بأن الحب محمد.

«وهل الدين إلا الحب والبغض»، كما قال ﷺ: فمن يُحِّب الرسول فعليه أن يتبعه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[آل عمران: 31].

أحبتي.. النبي محمد ﷺ كان خير الناس لأهله، وهو القائل: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، فكيف نتعامل نحن مع أهلنا؟

أحبتي.. نبي الرحمة بلغ القمة بعد أن رُمي بالحجارة، وفُرض عليه الحصار، كما عاش المجاعة مع المؤمنين برسالته، وفُجع بقتل عمه الحمزة بطريقة وحشية مع فقده لأحب النساء إلى قلبه سيدتنا خديجة، وأرغم على الهجرة من بلده، وأثخن بالجراح في جسده وقلبه، وتحمل كل مصيبة وبلية من أجل أن يبزغ فجر الإسلام ونوره في العالمين.

فهل نتحمل نحن النزر اليسير من المعاناة من أجل رفعة هذا الدين؟

دعونا نراجع أنفسنا وسلوكنا قبل أن تلهج ألسنتنا بأن «الحب محمد».

ولنبدأ بغرس قيم النبي فينا ثم نبدأ بتعليمها لأبنائنا عمليًا، لنكون لهم أفضل قدوة في الحياة.

 

* كلمة قصيرة ألقيت في ديوانية الولاء بالتوبي، مساء الأربعاء: 20/3/1435هـ.
كاتب سعودي «القطيف».