آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 5:25 م

أوراق على هامش التدين المبتذل

سلمان عبد الأعلى

المقدمة

اطلعت على مقال لأحد طلبة العلوم الدينية بعنوان «أوراق على هامش الثقافة المبتذلة»، حاول فيه هذا الطالب نقد ما أسماه بأهم معالم دعاة الثقافة الجدد، ولا أُخفي عليكم بأني لا أختلف معه في العديد من النقاط التي أوردها في مقالته، إذ لم أكتب هذا المقال بهدف الرد عليه أو على أطروحاته، وإن كنت أخالفه في بعض جزئياتها، وإنما كتبته لألفت النظر والانتباه إلى زاوية أخرى مقابلة لها ولا تقل أهمية عنها، وذلك لما لها من انعكاسات خطيرة على فكرنا الديني وواقعنا الاجتماعي، أعني بكلامي هذا «التدين المبتذل»، فكما أن هناك «ثقافة مبتذلة» تنشر عبر وسائل التواصل الإجتماعي كما جاء في المقال المذكور، هناك أيضاً «تدين مبتذل» يُروج له البعض وبكثرة عبر الخطب والمحاضرات الدينية، ويُلاحظ أن كلاهما يشتركان في العديد من المعالم والأصول، هذا إن لم نقل بأن التدين المبتذل قد يكون في بعض الأحيان جزء ومكون أصيل للثقافة المبتذلة، وكذلك العكس!

من هُنا قمت بمحاكاة الكاتب فيما كتبه حتى في العنوان، فأسميت مقالي «أوراق على هامش التدين المبتذل»، على الرغم من كوني غير مقتنعاً به أتم الاقتناع، ولكني اتخذت هذا الأسلوب بُغية أن يتعرف القارئ الكريم على مقالته «أوراق على هامش الثقافة المبتذلة» ويقرأها أولاً، فهذه أجدها فرصة ثمينة جداً ليتعرف المهتمون على أهم معالم «الثقافة المبتذلة» و«التدين المبتذل»، وذلك لكي لا يفروا من آفة ويقعوا ضحايا لآفة أخرى من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

لذلك، فإن هذا المقال لم يُكتب من أجل خوض سجالات وأخذ ورد مع الأفكار المقدمة في تلك المقالة، وإنما كُتب ليكون متمماً لما جاء فيها، إذ أردت أن يكون كلا المقالين في صياغ واحد، وكأنهما في سلسلة مترابطة أو حلقة واحدة، بحيث يعضد ويتمم كلاهما الآخر.

معالم التدين المبتذل

ثمة معالم أو ملامح عامة لأصحاب التدين المبتذل يمكن أن تُكتشف بكل سهولة ويسر، فأصحاب هذا النوع من التدين، وإن كانوا مختلفين مع بعضهم البعض في بعض النواحي، إلا أنهم يشتركون بأجمعهم في عناصر مشتركة، وإذا وجد اختلاف فيما بينهم، فهو اختلاف في الدرجة لا في النوع، لأن أصل وجودها لا خلاف فيه، ومن أهم هذه المعالم ما يلي:

أولاً: الجمود الفكري والحذر من التفكير

التفكير والتأمل من الأمور التي شدد عليها الفكر الإسلامي وجعله فريضة من الفرائض الواجبة، وهذا بعكس الفكر الغربي الذي اعتبر الحرية الفكرية حقاً من الحقوق، وشتان بين كون الشيء فرضاً يجب أداؤه وبين كونه حقاً يُطالب به، ومن هنا نفهم لماذا أفتى الفقهاء بحرمة التقليد في المسائل الأساسية من أصول الاعتقاد كإثبات وجود الله سبحانه وتعالى؟ وذلك لأنها من المسائل التي يجب على المكلف أن يصل فيها إلى الحقيقة بنفسه، وهذا لا يتأتى إلا بالحرية الفكرية وببذل الجهد والتفكير.

ولذلك كفل الإسلام الحرية الفكرية حتى في الاعتقاد بأصل الدين، قال تعالى: «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، وقال تعالى: «فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»، وهذا هو ما يجعل للإيمان بالدين قيمة وأهمية، لأنه لا يمكن أن يكون له ذلك إلا إذا كان نابعاً من حرية الاختيار، وأما إذا كان مفروضاً بالقوة والإجبار - أو بالإكراه كما جاء في الآية - فإنه سيفقد قيمته ومزاياه.

وأما أصحاب التدين المبتذل، فإنهم في الأعم الأغلب يرفضون إتاحة الفرصة للآخرين للتفكير ولممارسة الحرية الفكرية، وهذا الرفض ليس مخصص فقط بغير المختصين من العوام كما يزعمون كذباً، وإنما للكل، للمختصين ولغيرهم، وهذا ما يشهد به تاريخهم ومواقفهم الكثيرة مع المختصين الذين جاءوا بآراء وأفكار لا تنسجم مع آرائهم وتوجهاتهم أو لنقل مع الثوابت والضروريات التي يعتقدونها «وما أكثرها»!!

الغريب أن دعاة هذا النوع من التدين «المبتذل» باتت كل مسألة دينية عندهم من الثوابت والضروريات التي لا يجوز مناقشتها أو التفكير فيها بحال من الأحوال حتى لو كانت هذه المسألة جزئية وفرعية، بل وصل الأمر بهم إلى رفض الحوار حول بعض الأحداث والوقائع التاريخية أيضاً.

والأغرب من ذلك، أنهم فعلياً يناقشون الثوابت والضروريات التي يعتقدونها بكل أريحية وبلا حرج، ففي المسائل العقائدية الأساسية نراهم مثلاً يناقشون في التوحيد «ما هو الدليل على وجود الله سبحانه وتعالى؟»، وفي العدل «هل الله عزوجل عادل أم لا؟»، والنبوة «كيف نعرف صدق النبي؟»، والمعاد «ما هو الدليل على البعث بعد الموت؟»، مع كون هذه المسائل من الأصول العقائدية الأساسية، ومع ذلك نجدهم في أتم الاستعداد لمناقشتها والحوار حولها، ولكنهم غير مستعدون لمناقشة بعض الجزئيات كثبوت بعض الوقائع والأحداث التاريخية أو ثبوت رواية أو دعاء أو زيارة أو حتى مقطع من زيارة، وكل ذلك بحجة كونها من الثوابت والضروريات التي لا ينبغي مناقشتها.. فيا سبحان الله!!

في اعتقادي أن أصحاب التدين المبتذل يرفضون التفكير وإتاحة الفرصة للآخرين لممارسة الحرية الفكرية لسببين:

الأول: عدم الثقة بالآخرين

وذلك لأنهم يتصورون بأنه إذا أعطيت الحرية للآخرين، فإنهم سيُغلبون أهوائهم وسينحرفون عن الدين لا محالة، وذلك لأنهم سوف يختارون الانحرافات العقائدية والانفلاتات الأخلاقية، فلهذا السبب نجد أصحاب هذا النوع من التدين «المبتذل» كثيراً ما يحاولون ممارسة الوصاية على الآخرين في كل شيء يتعلق بأمر دينهم.

الثاني: عدم الثقة بالفكر الديني: ربما يعتقد هؤلاء بأن الناس لو اتيحت لهم الحرية الفكرية فإنهم سوف يقتنعون بالفكر الآخر المخالف لقيم الدين وتعاليمه، ولا يخفى أن هذا الأمر يصور الفكر الديني وكأنه فكر هزيل جداً، بحيث لا يمتلك الجاذبية والمقومات الكافية للإقناع، ولذلك يخشى من المواجهة مع الفكر الآخر الذي يراه أكثر منه قوة وجاذبية، وهؤلاء بهذا الأمر يتصرفون وكأنهم غير واثقون بتغلب الفكر الديني وانتصاره على الفكر الآخر، بل وقد يكون الأمر على العكس تماماً، أي أن يكونوا واثقون بأن الهزيمة ستلحق به في أي معركة فكرية سيخوضها، وبالنسبة لي لا ألومهم في ذلك، لأن الفكر الديني الذي يتبنونه هو بالفعل على هذه الشاكلة!!

ثانياً: الرفض المطلق للشك والتشكيك

الشك المنهجي الذي يهدف من وراءه للوصول إلى الحقيقة واليقين أمر إيجابي ومطلوب، وهو يختلف عن الشك العبثي - إن صح التعبير - وهو الشك لمجرد الشك على الطريقة السفسطائية، ولذلك نجد الشك المنهجي من السمات البارزة في العلماء والباحثين، لأنه يعطيهم الفرصة لاختبار آرائهم وقناعاتهم، وذلك لأنهم يشككون في مسألة من المسائل - ولو من خلال وضع فرضيات معينة - ومن ثم ينطلقون للبحث عنها ليتأكدوا من صحة شكوكهم من عدمها، وهذا الأمر هو ما يجعل لآرائهم قيمة واحتراماً، وذلك لأنها آراء لم يأخذوها جاهزة عن غيرهم، وإنما توصلوا لها من خلال بذل الجهد في البحث والتحقيق، وهذا ما يتوافق وينسجم مع منهجية البحث العلمي.

وأما أصحاب التدين المبتذل، فلا يحبذون الشك والتشكيك بالمطلق، ولا يفرقون بين الشك المنهجي وغيره، لأنهم يعتقدون بأن الشك في كل صوره وأشكاله عبثي وصادر عن وساوس شيطانية، ولذلك نجدهم يتعوذون منه ومن الشيطان الرجيم، ويحاولون طرده للحفاظ على قناعاتهم المتوارثة والتي هي في الغالب قناعات تلقوها جاهزة من غيرهم، وحتى لو بذلوا جهداً للاستدلال، فإنهم يقومون بجمع الأدلة والبراهين التي تؤكد ما هم عليه فقط ويتجاهلون كل ما يخالفها، والغريب أنهم يعتبرون هذه الممارسات ممارسات علمية، وما دروا بأنها عين الجهل والتخلف!

ينبغي أن لا نغفل بأن التشكيك المنهجي هو سلوك مارسه الأنبياء والرسل ، ومنهم نبينا الأكرم محمد ﷺ، حيث استعملوا هذه الأداة «التشكيك» لزعزعة القناعات الباطلة المتوارثة من الآباء لدى أقوامهم، وذلك بهدف إيصالهم للحقيقة والصواب، ولكن للأسف أن هذا هو ما يغفل عنه دعاة التدين المبتذل، ولذلك نجدهم يحاربون الشك والتشكيك بالمطلق.

ثالثاً: المبالغة في التركيز على التخصص

لاشك بأن لآراء المختصين في العلوم والمعارف الدينية قيمتها، فنحن لا نشك في ذلك ولا نشكك فيه، ولكننا لا نتفق مع المبالغات التي يصورها أصحاب التدين المبتذل وهم يتحدثون عن هذا الجانب، حيث يصورون الأمر وكأنه لا يحق للآخرين من غير رجال الدين «المتخصصين» أن يتكلموا في الدين بشكل عام ومطلق، فهذا الأمر لا يمكننا القبول به، فهو مرفوض ومردود عليه نقضاً وحلاً، وأما في مقام النقض فنقول:

أولاً: إن هذا العنوان كثيراً ما يستخدم كسلاح لتكميم الأفواه، لأننا نجد أن من يتكلم عن الأمور الدينية وهو مرضي عنه لا يعترض عليه حتى وإن كان من غير المتخصصين، وفي المقابل نجد أن من يتكلم وهو غير مرضي عنه لا يقبل منه حتى وإن كان من المتخصصين.

ثانياً: لو سلمنا بأنه لا ينبغي أن يناقش غير المختص في أية قضية أو مسألة دينية، فلماذا نجد المختصين يطرحون بعض هذه القضايا أمام غير المتخصصين، فالبعض من المختصين «من رجال الدين» مثلاً يستعرض بعض الأفكار التي هي موضع خلاف بين المختصين أنفسهم أمام عامة الناس، فنجدهم يدعمون رأياً ويرفضون رأياً آخر، ويحاولون إقناع الناس بما يروه في هذه المسائل الخلافية، وهذا الأمر قد يتسبب في استفزاز عقول هؤلاء الناس مما قد يؤدي إلى قيامهم بالبحث الذي قد يوصلهم إلى تبني رأي آخر مخالف لما طرح عليهم، فهل هناك مشكلة في ذلك؟! لأن طرح المواضيع على عامة الناس - كما أفهمه - هو دعوة لهم لمناقشة هذه المواضيع والبحث عنها، ولذا لا يصح بعدها مهاجمتهم بحجة أنكم غير متخصصين فيها.

ثالثاً: إذا كان كلام هؤلاء صحيحاً في كون التدخل في التخصصات الأخرى مذموماً على إطلاقه، فلماذا نلاحظ بعض رجال الدين عادةً هم من أكثر الناس تدخلاً في العلوم الأخرى مع كونهم من أكثر الناس رفضاً لتدخل الناس في الأمور الدينية، فعلى سبيل المثال: نجد الكثير من رجال الدين يناقشون نظريات فرويد النفسية، ويواجهونها بالنقد والهجوم رغم كونهم غير متخصصين في علم النفس، والرجل - أي فرويد - يعد من كبار علماء النفس، بل يعتبر المؤسس لما يسمى في علم النفس بمدرسة التحليل النفسي، وكذلك الأمر بالنسبة لداروين وماركس وغيرهما، وكذلك نجد بعض رجال الدين يتدخلون في علم الاجتماع ويناقشون آراء الدكتور علي الوردي والدكتور علي شريعتي الاجتماعية، بل ويستنكرون عليهما في بعض آرائهما رغم كونها من صميم تخصصهما، فلماذا يتدخل هؤلاء في غير تخصصهم أم أن هذا المبدأ مقتصر فقط على رجال الدين والمسائل الدينية؟!! طبعاً كلامي هذا ليس للتأكيد على رفض التدخل في غير الاختصاص بهذه الكيفية، وإنما لدحض هذه الفكرة وردها، وإلا فالمهم هو مضمون الأفكار المقدمة وقيمتها وليس مجرد التخصص فقط.

وأما في مقام الجواب الحلي فنقول

أولاً: ليس كل رجال الدين هم من أهل الاختصاص، لأننا نجد بعضهم في غاية الجهل والتخلف في بعض نواحي المعرفة الدينية، ومع ذلك ربما نجدهم أكثر حماساً من غيرهم في مهاجمة بعض أصحاب الأطروحات الذين ربما يكونوا أكثر منهم علماً وإطلاعاً في هذه النواحي، وذلك بصفتهم غير مختصين كما يدعون، ولذلك فالاختصاص ليس شعاراً أو عنواناً أو شكلاً، بل هو إلمام وتمكن في ممارسة النواحي التي يُدعى فيها الاختصاص في الواقع.

ثانياً: ليست كل المسائل والقضايا الدينية هي قضايا تخصصية، فالكثير من القضايا الدينية هي قضايا عامة لا تحتاج لمتخصص لإبداء الرأي فيها، فالكثير منا يبدي رأيه في بعض القضايا التي قد لا يكون متخصصاً فيها، لأنها لا تحتاج للاختصاص، فمثلاً هل من المنطقي أن نقول لمن يتكلم اللغة العربية لا يحق لك الكلام بها إلا بعد التخصص فيها، أو نقول لمن يعطي تقييماً عن بعض الأوضاع الاجتماعية التي تخصه بأن لا يحق لك الكلام فيها لأنك غير متخصص في علم الاجتماع، وكذلك الأمر بالنسبة إلى علم الاقتصاد والسياسة وغيرها، إذ لا أظن أن هذا الأمر مقبول ومنطقي على إطلاقه.

ثالثاً: غالبية النقد الذي يوجه لرجال الدين ليس من صميم التخصص في الدين، وإنما أكثره يُعني بنقدهم على تقصيرهم عن أداء واجباتهم ومسؤولياتهم الدينية، «على سلوكياتهم وتصرفاتهم وطريقة تفكيرهم العامة»، فهل هذا أيضاً يُعد تدخلاً مذموماً في التخصص؟! فمثلاً لو انتقد أحدهم طبياً من الأطباء على تقصيره عن أداء مسؤولياته وواجباته الطبية في خدمة المرضى، فهل يعد هذا تدخلاً في النظريات والأبحاث الطبية؟ بالطبع لا، فكذلك من ينقد بعض تصرفات رجال الدين، فإنه لا يعني بأنه أشكل على قاعدة في علم الأصول مثلاً، لأن هناك فرق كبير بين كلا الأمرين، وينبغي أن يؤخذ ذلك بعين الاعتبار، هذا مع العلم بأنني أتحفظ على كون بعض رجال الدين من المختصون في جميع العلوم الدينية أو في بعضها.

رابعاً: قد يكون الشخص المناقش ليس صاحب تخصص في العلوم والمعارف الدينية، ولكنه ربما يكون على اطلاع ويمتلك ثقافة جيدة فيها كما مر بنا، أو قد يكون معتمداً فيما يطرحه على آراء بعض المختصين في هذه المجالات ويستشهد بها، وإذا كان كذلك فما هو الإشكال؟!! لأنه في هذه الحالة لم يعطِ رأياً في تخصص ليس من اختصاصه، بل اعتمد على آراء بعض المتخصصين، وكمثال عملي هو ما كتبته في إحدى مقالاتي رداً على بعض رجال الدين عندما نسب إلى السيد الخوئي آراء ليست من آرائه، حيث رددت عليه بنقل آراء السيد الخوئي من كتبه ولم أنقل وجهة نظري الشخصية، والغريب أنني هوجمت لذلك لأنني غير متخصص وقمت بالرد على صاحب التخصص!!

خامساً: إن المهم في هذه القضايا ليس التخصص فيها، بل قيمة الأفكار المقدمة، فالتخصص ليس عاصماً من الوقوع في الخطأ، ومن الممكن أن يخطأ صاحب التخصص ويصيب غير المتخصص، إذ ليس بالضرورة أن يأتي التدخل في اختصاصات الغير بآراء غير صحيحة، كما أنه ليس بالضرورة أيضاً أن يأتي صاحب التخصص بآراء صحيحة، بل إن الكثيرين من أصحاب التخصصات وقعوا في أخطاء داخل نطاق تخصصاتهم، «طبعاً هذا الكلام لا ينفي بأنهم عادةً ما يكونوا الأقرب للصحة»، ولكن لا يمكننا الجزم بذلك دائماً، ومن الشواهد على ما نقول هو ما قدمه السيد الشهيد محمد باقر الصدر، حيث كانت لأطروحاته صداها الواسع في كتابيه اقتصادنا والبنك اللاربوي في الإسلام مع أنه عالم من علماء الدين وليس رجل محسوب على خبراء الاقتصاد مثلاً، ولكن هذا الأمر لم يقلل من قيمة أفكاره بشيء، ولذا رأينا الكثير من المتخصصين في علم الاقتصاد رحب بها ولم يرفضها، بل واعتنى بها بالدراسة والتحليل.

سادساً: نحن نشهد في عصرنا الحاضر تداخل العلوم والتخصصات مع بعضها البعض، لدرجة يمكن فيها أن يقدم شخص إسهامات هامة وكبيرة في غير تخصصه الأصلي، بحيث يتم الاستفادة منها في تخصص آخر يختلف عن تخصصه، فعلى سبيل المثال نجد إسهامات الكثير من المهندسين والاقتصاديين وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم في العلوم الإدارية، بل إن فريدريك تايلور الذي يعد من المؤسسين لعلم الإدارة، والذي يُقدم على أنه أول من طرح ما يعرف باسم «الإدارة العلمية» هو متخصص في الهندسة، وكذلك الأمر بالنسبة للمهندس الفرنسي هنري فايول. ولذلك فمن الصعب فصل العلوم والتخصصات عن بعضها البعض كلياً، ففي علم كعلم الاجتماع مثلاً نجد ما يسمى بعلم الاجتماع الديني، فمن غير المنطقي أن يتم رفضه كلياً بحجة عدم مشروعية التدخل في القضايا الدينية، وذلك لأنه أصبح أحد فروع تخصص علم الاجتماع، ولا يكون من يتدخل في القضايا الدينية وهو متخصص في علم الاجتماع الديني قد تدخل في غير تخصصه.

رابعاً: الترويج للشخصيات البالونية

يحرص الكثير من أصحاب التدين المبتذل على نفخ بعض الشخصيات والرموز الدينية التي تساندهم وتقف بجانبهم، بحيث يبالغون في تمجيدهم والثناء عليهم، ويطلقون عليهم الكثير من الألقاب البراقة والمزركشة التي تفوق المؤهلات الحقيقية التي يمتلكها هؤلاء، وأتذكر بأني سمعت كم هائل من الألقاب التي أُطلقت على أحد الشخصيات الدينية، والتي لو كتبناها لم تتجاوز السطر الواحد كالقول:

«سماحة آية الله العلامة الشيخ فلان الفلاني ثقة العلماء والمراجع»

فهذا هو مثال واحد فقط، والأمثلة كثيرة على المبالغات في الألقاب التي باتت توزع جزافاً بلا حسيب ولا رقيب، وكل ذلك بهدف زرع الهيبة وبث الثقة في أنفس الناس، وإلا فإن هذه الألقاب ليست مبنية على رتبة علمية حقيقية تم تحقيقها بجدارة، لأن الكثير من الذين يمنحون هذه الأوسمة الكبيرة ويطلق عليهم بعض الألقاب اللامعة الفخمة هم شخصيات خاوية لا تمتلك الكفاءة والمؤهلات العلمية المناسبة لها، ولذلك يتم اكتشاف زيفها وزيف ادعاءاتها بكل سهولة ويسر عند مرور بعض العواصف التي تعريهم وتظهرهم على حقيقتهم الباهتة جداً.

للأسف الشديد أن الكثير من الألقاب التي يمنحها أصحاب التدين المبتذل ليست مبنية على مراتب علمية حقيقية كما ذكرنا آنفاً، وإنما هي في الأعم الأغلب نتيجة لعوامل أخرى «غير علمية»، ولعل أبرزها النفوذ الاجتماعي والحضور الجماهيري بسبب الوكالة الممنوحة لها عن بعض المرجعيات الدينية لقبض الأموال والحقوق الشرعية، لأننا لو فتشنا ورائهم جيداً لوجدنا أن هذا هو العامل الأهم الذي يمنحهم كل هذه الامتيازات التي تجعل البسطاء من الناس تنقاد لهم وتسبح بحمدهم، وإلا فإنهم من ناحية الطرح العلمي لا يجيدون إلا بث الأفكار العشوائية والتنفيس عن عقدهم النفسية وترويج الخرافات باسم إقامة الشعائر والتفنن في خلق الفتن والأزمات.

ولذلك ينبغي التثبت وعدم التساهل أبداً في إطلاق الألقاب والأوسمة العلمية والدينية، وإلا أصبحت هذه الألقاب مهزلة من المهازل كما هو الحال لدى أصحاب التدين المبتذل.

خامساً: تكريس المذهبية

لا يمكن إسقاط المذاهب أبداً، وحتى أولئك اللذين حاولوا التنظير لإلغائها من خلال الدعوة لإسلام بلا مذاهب رجعوا لها من حيث لا يشعرون، وأتذكر أنني قرأت كتاباً بعنوان «إسلام بلا مذاهب»، ولكني وجدت أنه كان من الأحرى بمؤلفه أن يسميه «إسلام المذاهب» بدلاً من «إسلام بلا مذاهب»، وذلك لأني وجدت كتابه عبارة عن شرح وبيان للمذاهب واختلافاتها.

ما أردت قوله هو أنه لا مناص إلا باتباع مذهب معين، إذ لا بد لكل منا أن يتعبد بمذهب شاء أو أبى، لأن الحاجة إلى المذهب حاجة أساسية في الكثير من الأمور حتى في الأمور التعبدية الواضحة كالصلاة مثلاً، إذ لا يستطيع أي أحد أن يؤديها إلا بكيفية معينة، وهذا يعني أنه اتبع في ذلك مذهب معين يختلف عن المذاهب الأخرى، وهذا مثال واضح والأمثلة كثيرة جداً.

ونحن في هذا الأمر لا نختلف عن أصحاب التدين المبتذل، ولكننا نختلف معهم في أمرين مهمين وهما:

الأول: استفزاز أبناء المذاهب الأخرى: وذلك بتركيزهم المبالغ فيه على بعض القضايا المذهبية بشكل يؤدي إلى استفزاز الآخرين وإثارة حساسياتهم، كالجهر باللعن والسب والشتم لرموزهم وقادتهم، واعتبار ذلك من الشروط الأساسية لتحقيق البراءة من الباطل وأعداء الدين.

الثانية: الاستخفاف بالوحدة الإسلامية: حيث نراهم يحاولون التقليل من أهمية الوحدة الإسلامية، بل وأحياناً نجدهم يحاربون كل ما من شأنه جمع شمل المسلمين وتحقيق الوحدة بينهم، وكثيراً ما سمعناهم يتهمون دعاة الوحدة بأنهم يجاملون على حساب العقيدة والدين. وأتذكر بأني سمعت أحدهم من رجال الدين في إحدى محاضراته، وهو يُقلل من شأن الوحدة الإسلامية، وذلك بمقارنتها بولاية أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ، إذ يقول: بأن تحقيق النجاة في الآخرة هو في التمسك بولاية أمير المؤمنين وليس في تحقيق الوحدة الإسلامية، ويتساءل بقوله: أيهما أفضل أن يموت الشخص على الوحدة، أو يموت على ولاية أمير المؤمنين ؟!!.

ونحن إذ نورد هذه القصة، فإننا نهدف فقك للتعرف على العقليات التي يتمتع بها أصحاب هذا النوع من التدين «المبتذل»، وإلا فإن المقارنة بين الأمرين بهذه الكيفية هي من أساسها مقارنة خاطئة.

سادساً: إسقاط العلماء الفاعلين

لاشك بأن هناك العديد من العلماء الذين خرجتهم الحوزة العلمية، وكانت لهم إسهامات كبيرة ومشرقة في بث الوعي والنهوض بالمجتمع في العديد من المجالات، وذلك نظراً لكونهم يتمتعون بمواصفات استثنائية خاصة من أبرزها الوعي بالمرحلة والهمة العالية، وللأسف الشديد أن هذا الصنف من العلماء «الاستثنائيون» قد لا يجود بهم الزمن إلا في فترات متباعدة.

ومما يحز في النفس أن يتم التنكر لهؤلاء العلماء وللأدوار العظيمة التي قاموا بها، بل وأعظم من ذلك، إذ تُشن عليهم حملات شعواء لتسقيطهم والنيل منهم بشتى الأساليب الطرق، حيث نجد الكثير من أصحاب التدين المبتذل يسعى دائماً لاستهداف العلماء الواعين والفاعلين في الحوزة العلمية، وذلك من خلال الآتي:

التشكيك في علمهم من خلال إثارة بعض الشبهات حولهم كعدم ثبوت اجتهادهم.

توجيه الاتهامات الباطلة والتي لا أساس لها من الصحة كالتشكيك في نواياهم ونزاهة أهدافهم.

حرف كلامهم عن مواضعه وتحميله أكثر مما يحتمل.

المبالغة في إبراز أخطاءهم وتسليط الضوء عليها، في مقابل تجاهل أخطاء غيرهم ممن يرتكب أخطاء أكبر منهم.

إن هدف أصحاب هذا النوع من التدين «المتبذل» من القيام بمثل هذه الأمور، هو باعتقادي حرصهم على أن يبقى المجتمع وأفراده رهين أفكارهم المتخلفة، إذ يصعب عليهم السيطرة على الناس في ظل ارتباطهم بهؤلاء وتأثرهم بفكرهم، ولذلك يسعون جاهدين بكل ما أوتوا من قوة وإمكانيات لتسقيطهم ولو من خلال نسبة بعض الأمور غير الصحيحة لهم، وفي المقابل نجدهم يروجون لرموز على شاكلتهم يتميزون بالإيمان الأعور وبالتقوى العرجاء، بحيث يتم استعراض هؤلاء وكأنهم هم الممثلون الشرعيون حصراً للحوزة العلمية، بحيث يصادرون شرعية كل من يختلف معهم، وإن كان من العلماء الكبار.

ختاماً أقول

أتمنى أن أكون قد وفقت لبيان أهم معالم «التدين المبتذل»، وذلك لكي يلتفت الناس إليها ويحذروا منها ولا يقعوا فيها من حيث يشعرون أو لا يشعرون.