آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 5:25 م

حقيقة موقف العلامة المجلسي من مرويات كتابه «بحار الأنوار»

سلمان عبد الأعلى

تمهيد

يُعتبر كتاب بحار الأنوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي من أبرز الكتب التي جمعت التراث الروائي للشيعة الإمامية في شتى فروع المعارف الدينية «العقائدية والفقهية والأخلاقية والتاريخية وغيرها»، ولذا أضحى أحد المصادر المهمة التي يُرجع إليها في هذه الميادين، وهذا ما أسهم في جعله يُؤثر تأثيراً بالغاً في بناء وتشكيل الثقافة الدينية العامة، وهنا تكمن الخطورة، وذلك لأن هذا الكتاب احتوى في طياته على روايات غير قطعية الصدور «ضعيفة وموضوعة»، وهذا مما يستلزم ضرورة القيام بمسؤولية إخضاع مروياته للدراسة والنقد قبل الالتزام بها.

ولعل أبرز من كانت لهم جهود واضحة وجادة في هذا المجال في الآونة الأخيرة - بحسب اطلاعي - سماحة الشيخ محمد آصف محسني في كتابه «مشرعة بحار الأنوار»، وكذلك سماحة الأستاذ السيد كمال الحيدري[1]  من خلال دروسه في بحث خارج علم الأصول، حيث بحث هذا الأمر ضمن مبحث «تعارض الأدلة» [2] .

وعلى الرغم من كون الشيخ آصف محسني، وكذلك السيد الحيدري - حفظهما الله - قد مهدا لبحثهما بالثناء على العلامة المجلسي وجهوده في جمع التراث الروائي الشيعي[3] ، إلا أن البعض رفض هذه الجهود وما آلت إليها من نتائج، بل وعد ما جاء فيها إساءة وتوهين لمكانة العلامة المجلسي، وحط من القيمة العلمية لكتابه!!

في هذا المقال سوف أسلط الضوء على إحدى اطروحات السيد الحيدري بهذا الخصوص، والتي لاقت نقداً واسعاً من قبل بعض فضلاء الحوزة العلمية الذين أكن لهم كل الاحترام والتقدير، وهي ما يتعلق بحقيقة موقف العلامة المجلسي من مرويات بحار الأنوار، حيث يرى السيد الحيدري أن العلامة المجلسي يتبنى صحة جميع ما ورد في كتابه البحار إلا ما خرج بالدليل، خلافاً للرؤية السائدة والمشهورة التي ترى بأنه أراد أن يجمع فيه الغث والسمين والصحيح والسقيم.

من هنا سأقوم باستعراض رؤية السيد الحيدري في هذا المجال، وبعدها ستكون لي وقفة لمناقشة أبرز الإشكالات والردود المثارة حولها، علماً بأني لا أهدف من وراء ذلك لتصويب رؤية السيد الحيدري بقدر ما أهدف لبيانها على حقيقتها وواقعها، وسأحاول قد إمكاني عرضها بأسلوب مبسط يناسب أذهان جميع المهتمين بهذا الشأن، سواءً كانوا من المتخصصين أو من غيرهم.

حقيقة موقف العلامة المجلسي من مرويات «بحار الأنوار»

طرح السيد كمال الحيدري - حفظه الله - هذا السؤال: هل كان العلامة المجلسي معتقد بصحة جميع الروايات التي أوردها في كتابه بحار الأنوار أو لا؟

وفي مقام الإجابة على هذا السؤال ذكر بأن هناك رؤيتان:

الرؤية الأولى: وهي الرؤية المشهورة والمتداولة على الألسن، وهي القائلة بأن العلامة المجلسي لم يكن بصدد تصحيح كل ما أورده من نصوص روائية في كتابه، وإنما أراد أن يجمع فيه الغث والسمين. ومن ضمن الذين يتبنون هذه الرؤية العلامة الشعراني والسيد الخميني[4] . وأما الشواهد التي اعتمد عليها أصحاب هذه الرؤية فهي كالآتي:

• الأوّل: دلالة عنوان الكتاب «بحار الأنوار»: إذ من الواضح كما يُقال بأن البحار يوجد فيها الحجر والمدر كما يوجد فيها اللؤلؤ والمرجان، فالبحار «اسم الكتاب» أسم على مسمى.

• الثاني: الروايات الموضوعة: إذ أن هناك روايات كثيرة في البحار نقطع بأنها موضوعة وليست صادرة عن الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام.

فلهذين الشاهدين ولشواهد أخرى من هذا القبيل - كما يُفيد السيد الحيدري - يرى من يتبنى هذه الرؤية بأن العلامة المجلسي قد أراد أن يجمع في كتابه الغث والسمين[5] .

وأما السيد الحيدري فلقد قدم نقضه على هاذين الشاهدين، حيث ذكر الآتي:

• أولاً: أن ما ذكروه من قرينة اسم الكتاب مجانب للصواب، لأن العلامة المجلسي - قدس الله نفسه - لم يقل «البحار» فقط وإنما «بحار الأنوار»، فلو كان العنوان هو الأول؛ فإنه قد يصدق مثل هذا الكلام، ولكن اسم الكتاب هو «بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار»، وهنا نلاحظ نسبة هذه البحار أولاً إلى «الأنوار»، وثانياً بيان لما تحتويه هذه البحار بأنها جامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، وإذا كان كذلك؛ فكيف يكون فيها الحجر والمدر؟! [6] .

• ثانياً: أن وجود روايات موضوعة ومتعارضة في البحار ليس دليلاً على كون العلامة المجلسي لم يتبنى صحة رواياته إلا ما أخرجه الدليل، وذلك لأنه جمع بين بعض الروايات المتعارضة والغريبة وحاول تأويلها، وهذا يكشف عن أنه يعتقد بصدورها عن المعصومين ، لأنه لو كان يعتقد بخلاف ذلك لأسقطها عن الاعتبار، ولما حاول أن يؤولها أو أن يعطي لها وجوهاً أخرى[7] .

الرؤية الثانية: وهي التي يتبناها السيد الحيدري، وهي التي تخالف الرؤية السائدة، حيث يرى أن العلامة المجلسي مُعتقد بصحة جميع ما نقله في كتابه «بحار الأنوار» إلا ما أخرجه الدليل، فالأصل عنده هو الصحة، وهذا ما يشمل جميع الروايات التي أوردها في الكتاب، سواءً كانت الروايات المرتبطة بالعقائد أو المرتبطة بالفقه الأصغر أو بالتاريخ أو بالقصص أو المرتبطة بالأخلاق[8] .

وكشواهد وقرائن على هذه الرؤية قدم السيد الحيدري عدة أمور تكشف بحسب اعتقاده عن صحتها، وهي كالتالي:

أولاً: تصريحات العلامة المجلسي نفسه[9] :

القرينة الأولى: أن العلامة المجلسي في مقدمته للكتاب في ج1، ص 25 - 26 - 48 يقول: ”فيا معشر إخوان الدين المدعين لولاء أئمة المؤمنين، أقبلوا نحو مأدبتي هذه مسرعين، وخذوها بأيدي الاذعان واليقين، فتمسكوا بها واثقين، إن كنتم فيما تدعون صادقين. ولا تكونوا من الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويترشح من فحاوي كلامهم مطاوي جنوبهم، ولا من الذين اشربوا في قلوبهم حب البدع والأهواء بجهلهم وضلالهم، وزيفوا ما روجته الملل الحقة بما زخرفته منكروا الشرايع بمموهات أقوالهم“.

ثم قال: ”فيا بشرى لكم ثم بشرى لكم إخواني! بكتاب جامعة المقاصد، طريفة الفرائد، لم تأتِ الدهور بمثله حسناً وبهاءاً! وانجم طالع من أفق الغيوب لم ير الناظرون ما يدانيه نوراً وضياءاً! وصديق شفيق لم يعهد في الأزمان السالفة شبهه صدقاً ووفاءاً!“.

وأردف قائلاً: ”كفاك عماك يا منكر علو أفنانه!، وسمو أغصانه حسداً وعناداً وعمها وحسبك ريبك، يا من لم يعترف برفعة شأنه! وحلاوة بيانه جهلاً وضلالاً وبلها، ولاشتماله على أنواع العلوم والحكم والاسرار وإغنائه عن جميع كتب الاخبار سميته بكتاب: «بحار الأنوار» الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار“ [10] .

فكل هذه العبارات تدل دلالة واضحة - بحسب السيد الحيدري - على كون العلامة المجلسي يتبنى صحة جميع ما أورده في كتابه إلا ما أخرجه الدليل، لأنه لا معنى لئن يدعوك أحد إلى مأدبة ويكون فيها أمور ضارة وغير طيبة، لأن من يدعوا الناس إلى مأدبة فإنه يجعل فيها الأمور الطيبة مما لذ وطاب وليس الغث والسمين، وكشاهد على هذا يُشير السيد الحيدري إلى كيفية وصف العلامة المجلسي لهذه المأدبة بقوله: ”أقبلوا نحو مأدبتي هذه مسرعين، وخذوها بأيدي الاذعان واليقين، فتمسكوا بها واثقين“، وهذا الكلام - كما يقول - لا ينسجم مع اعتقاده بأن ”المأدبة“ التي في الكتاب تحوي الغث والسمين كما يُصور البعض.

والأمر الآخر الذي يُشير إليه السيد الحيدري هو شدة العلامة المجلسي في مواجهة من يرفض ما احتواه كتابه بقوله: ”كفاك عماك يا منكر علو أفنانه!، وسمو أغصانه حسداً وعناداً وعمها وحسبك ريبك، يا من لم يعترف برفعة شأنه! وحلاوة بيانه جهلاً وضلالاً وبلها“.

كما بين السيد الحيدري بأن سبب وضعه لهذا القيد «إلا ما أخرجه الدليل» هو أن العلامة المجلسي يعلق أحياناً على بعض الروايات ويضعفها، ولذلك وضع هذا الاستثناء «إلا ما أخرجه الدليل»، وأما الأصل إذا لم يكن له تعليق بتضعيف الروايات فيكون معتقد بصحتها. ويرى السيد الحيدري أن هذه التصريحات للعلامة المجلسي والتي جاءت في مقدمة كتابه «بحار الأنوار» كافية بمفردها لإثبات صحة هذه الدعوى ولا تحتاج معها إلى أي شاهد آخر، لأن هذه التصريحات جاءت بقلمه المبارك والشريف[11] .

الشاهد الثاني: في بحار الأنوار ج1، ص26 في أوّل الفصل الثاني يقول في عنوانه: ”«الفصل الثاني» في بيان الوثوق على الكتب المذكورة واختلافها في ذلك“.

وهذا الكلام للعلامة المجلسي - بحسب السيد الحيدري - يؤكد بأنه يعتقد بأن كل ما ينقله في الأصل هو من كتب موثوقة إلا ما خرج بالدليل، علماً بأنه لم ينفِ كون الروايات التي في هذه الكتب «الموثوقة» غير موثوقة حتى نقول بأنه يرى الكتاب موثوق ولكن الرواية غير موثوقة، إذ لا نستطيع الالتزام بهذا إلا إذا صرح به كأن يقول هذه الرواية نقلتها من الكتاب الفلاني، ولكني لا أثق بالكتاب أو لا أثق بالرواية، وأما الأصل إذا لم يُصرح بذلك فهو الوثوق في الكتاب ورواياته.

الشاهد الثالث: في بحار الأنوار في أوائل الفصل الأوّل ج1، ص48 يقول: ”لئلاً يترك في كتابنا «يقصد بحار الأنوار» شيء من فوائد الأصول فيسقط بذلك عن درجة كمال القبول“.

وبحسب كلام السيد الحيدري بأنه لو أراد العلامة المجلسي بكتابه في الأصل جمع الغث والسمين، فإنه لابد أن يُقبل بعضه ويُرفض بعضه، ولكنه لم يُشر لذلك، بل نجد كلامه يشير إلى العكس، ولذا فإن مفاد كلامه هذا أنه ما ذكر في الكتاب شيء يؤدي إلى نقض يتسبب في أن لا يقبل منه شيء أبداً، فكل شيء - إلا إذا صرح بالخلاف - لابد وأن يكون منسجم مع ”كمال القبول“.

ثانياً: تصريحات بعض تلامذته[12] :

• الشاهد الرابع: في بحار الأنوار ج110، ص179 يقول تلميذه الميرزا عبدالله بن عيسى التبريزي الاصفهاني المشهور بالأفندي صاحب كتاب «رياض العلماء»: ”ومن خصائص كتاب بحار الأنوار أنه تزداد شهرته واعتباره، ويظهر قدره وعظمته، إذا قام القائم من آل محمد ﷺ بعدما ينظر فيه، ويحكم بصحته من الأول إلى الاخر، بل تنفع مضامينها في عالم البرزخ وعقبات الآخرة، وفي أجنان الجنان ووسطها وخير بقاعها أيضاً لمن كان يلتذ في ضمن اللذات الجسمانية فيها بالملاذ الروحانية بحول الله وقوته تعالى“.

وهذه العبارات من أحد تلامذة العلامة المجلسي تدل - بحسب السيد الحيدري - على أنه يتبنى صحة ما جاء في كتابه إلا ما أخرجه الدليل، فهذا هو مفاد قول الأفندي بأن الإمام المهدي عجل الله فرجه سوف: ”يحكم بصحته من الأول إلى الآخر“ هذا أولاً، وثانياً مفاد قوله أيضاً: بأنه ”تنفع مضامينها في عالم البرزخ وعقبات الآخرة وفي أجنان الجنان ووسطها“ [13] .

ثالثاً: شواهد من الكتاب:

يُبين السيد الحيدري وجود شواهد كثيرة جداً من الكتاب تدل بالمدلول الالتزامي لا بالمدلول المطابقي على أنه يتبنى صحة ما أورده في كتابه إلا ما أخرجه الدليل، فعندما ينقل العلامة المجلسي مثلاً رواية ويقول معلقاً عليها بأني لا أقبلها أو بأنها ضعيفة أو مضمونها سقيم أو فيها تصحيف أو حسنة أو ليست صحيحة أو أي شيء من هذا القبيل، فيكون هذا المورد هو مما «خرج بالدليل»، ويُفهم من هذا بالدلالة الالتزامية أنه معتقد بصحة الروايات الأخرى التي لم يُعلق عليها، وإلا لصار ذلك إغراء بالجهل، لأن ظاهر الأمر سيكون على خلاف الواقع. وكشاهد على كلامه هذا أورد السيد الحيدري الرواية التالية مع تعليق العلامة المجلسي عليها وهي:

ما أورده العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج8، ص297: «في كتاب العدل والمعاد، باب النار» حول: هل ينتفع الكافر بعمله في الآخرة أم لا؟: ”عن أبي حسن موسى قال: كان في بني إسرائيل رجلٌ مؤمن وكان له جارٌ كافر فكان يرفق بالمؤمن، ويوليه المعروفة في الدنيا، فلما أن مات الكافر بنى الله بيتاً في النار من طين فكان يقيه حرها، ويأتيه الرزق من غيرها وقيل له هذا بما كنت تدخل على جارك المؤمن فلان ابن فلان من الرفق وتوليه من المعروف بالدنيا“.

ويُبين العلامة المجلسي موقفه من هذا الخبر بقوله: ”هذا الخبر الحسن الذي لا يقصر عن الصحيح يدل على أن بعض أهل النار من الكفار يرفع عنهم العذاب لبعض أعمالهم الحسنة“.

وهذا التعليق من العلامة المجلسي - بحسب السيد الحيدري - يدل على أنه إذا لم يعلق على الروايات الأخرى فإنه يعتقد بصحتها، وإلّا لا معنى لئن يعلق في مورد معين، ولكنه يرى روايات أخرى في موارد أخرى باطلة وسقيمة ولا يعلق عليها، فمن أجل ذلك يفهم السيد الحيدري أن تعليق العلامة المجلسي في بعض الموارد هو لكي يبين الصحيح من الضعيف، بل والحسن من الصحيح في أحيان أخرى، ولكن إذا لم يكن له أي تعليق فإنه حينئذ يكون معتقد بصحتها[14] .

نماذج أخرى من تعليقات العلامة المجلسي على بعض الروايات:

سوف نورد بعضاً مما أورده السيد الحيدري من تعليقات العلامة المجلسي على بعض الروايات في كتابه «بحار الأنوار» دون إيراد أصل هذه الروايات[15] ، وذلك في التالي[16] :

• المورد الأول: في بحار الأنوار ج10، ص140 بعد أن ينقل رواية يقول: ”ثم اعلم أن أصل هذا الخبر في غاية الوثاقة والاعتبار على طريقة القدماء، وإن لم يكن صحيحاً بزعم المتأخرين، واعتمد عليه الكليني رحمه الله، وذكر أكثر أجزائه متفرقة في أبواب الكافي، وكذا غيره من أكابر المحدثين. وشرح أجزاء الخبر مذكور في المواضع المناسبة لها فلا نعيدها ههنا مخافة التكرار“.

• الثاني: في ج12، ص372 يقول: ”أقول: إنما أوردت هذه القصة بطولها مع عدم اعتمادي عليها لكونها كالشرح والتفصيل لبعض ما أوردته بالأسانيد المعتبرة، فما وافقها فهو المعتمد وما خالفها فلا يعول عليه. والله الموفق لكل خير“.

• الثالث: في ج14، ص447 يقول: ”أقول: هذه القصة مذكورة في التواريخ أطول من ذلك تركنا إيرادها لعدم الاعتماد على سندها“.

• الرابع: في ج15، ص104، حيث يقول: ”أقول: إنما أوردت هذا الخبر مع غرابته وإرساله للاعتماد على مؤلفه واشتماله على كثير من الآيات والمعجزات التي لا تنافيها سائر الأخبار، بل تؤيدها والله تعالى يعلم“.

• الخامس: في ج15، ص414، حيث يقول: ”أقول: إنما أوردت سياق هذه القصص مع عدم الوثوق عليها، لاشتمالها على تعيين أوقات ما أسلفناه في الاخبار المتفرقة، وكونها موضحة لبعض ما أبهم فيها“.

• السادس: في ج58، ص335 يقول: ”وجدت في بعض الكتب القديمة أخباراً طويلة في الملاحم والأحكام، تركتها لعدم الاعتماد على أسانيدها، وان كان مروياً بعضها عن الصادق وبعضها عن دانيال“.

• السابع: في ج59، ص190 يقول: ”هذه الروايات الأخيرة أخرجناها من كتب الاحكاميين والمنجمين لروايتهم عن أئمتنا، ولا اعتمد عليها“.

• الثامن: في ج95، ص252 في باب «الأدعية والزيارات»، حيث يقول: ”قد اشتهر الحرز اليماني بوجه آخر، ولم أره في الكتب المأثورة“.

رابعاً: شاهد إضافي: هدف العلامة المجلسي من تأليف البحار

بعد أن أكد السيد الحيدري بأن العلامة المجلسي، وبناءً على العديد من تصريحاته يعتقد بصحة جميع ما جاء من نصوص روائية في البحار إلا ما استثناه الدليل، طرح هذا السؤال: هل كان العلامة المجلسي بصدد استقصاء وجمع جميع الروايات الواردة عن المعصومين أم لا؟

وبعدها بين السيد الحيدري بأن هناك من يرى كالحر العاملي بأن العلامة المجلسي كان بصدد جمع جميع الروايات إلا ما استثناه منها كالكتب الأربعة ونهج البلاغة، حيث يقول في كتاب أمل الآمل في ترجمة العلامة المجلسي: ”له مؤلفات كثيرة مفيدة منها: كتاب بحار الأنوار في أخبار الأئمة الأطهار يجمع أحاديث كتب الحديث كلها إلا الكتب الأربعة ونهج البلاغة فلا ينقل منها إلا قليلاً مع حسن الترتيب وشرح المشكلات وهو خمسة وعشرون مجلداً“ [17] .

ومن هنا - والكلام للسيد الحيدري - أشكل البعض كالمحدث النوري على العلامة المجلسي، لأنه لم يلتزم بوعده بجمع جميع الروايات التي في كتب الحديث ما عدا ما استثناه منها، حيث ذكر في البحار ج105، ص75: ”ثم انه قد فات منه أيضاً جملة مما هو موجودٌ في الكتب المتداولة وقد أكثر النقل عنها، وان شئت فراجع مزار البحار والبلد الأمين للكفعمي، وانظر كيف فات عنه جملة من الزيارات المأثورة المرسلة، مع انه ينقل عنه في كتاب البحار“.

وأما السيد الحيدري فيرى بأن هذا الإشكال الذي قدمه المحدث النوري غير وارد على صاحب البحار أصلاً؛ وذلك لأن العلامة المجلسي لم يكن بصدد استقصاء كل ما ورد في الكتب الروائية، بل كان بصدد الانتقاء ونقل المعتبر منها، وقد ينقل غير ذلك في بعض الموارد ولكنه يبين موقفه منها، ولذا حتى لو كان الكتاب لديه ونقل بعض رواياته، فإن هذا لا يدل على كونه يقبل بجميع الروايات الموجودة فيه حتى يُشكل عليه بهذا الإشكال، لأنه بانٍ على عدم نقل إلا ما يراه معتبراً ولم يكن بانياً على استقصاء جميع الروايات[18] .

من هنا اعتبر السيد الحيدري هذا قرينة إضافية وشاهد آخر على أنه لم يكن بصدد نقل الغث والسمين أو الصحيح والسقيم كما يظن البعض، وإنما كان بصدد نقل ما صح عنده، وهذا ما صرح به في مواضع متعددة، [19] حيث بين بأنه يقبل الكتاب الفلاني مثلاً وينقل منه بعض الروايات أو الزيارات أو الأدعية المعتبرة، ولكنه يترك نقل روايات أو أدعية أو زيارات أخرى لعدم اعتبارها، ولذا فإن ما نقله المحدث النوري من فوات بعض الأدعية منه غير صحيح. ومن الشواهد الدالة على ذلك ما يلي:

• الأوّل: في البحار ج1، ص46 يقول: ”ثم اعلم أنا سنذكر بعض أخبار الكتب المتقدمة التي لم نأخذ منها كثيراً لبعض الجهات مع ما سيتجدد من الكتب في كتاب مفرد، سميناه: بمستدرك البحار إن شاء الله الكريم الغفار، إذ الالحاق في هذا الكتاب يصير سببا لتغيير كثير من النسخ المتفرقة في البلاد: والله الموفق للخير والرشد والسداد...“ [20] .

• الثاني: في ج83، ص144 قال: ”مع أنا لم نستقصي في استخراج الدلائل ونقل كلام الأوائل ولا في نقل الأخبار وذكر الآثار لأن اكتفينا بذكر البعض لتنبيه أولي الألباب عما يؤدي إلى الإسهاب والاطناب“.

• الثالث: في ج102، ص209 يقول: ”ورأيت في بعض الكتب زيارات جامعة أخرى تركتها إما لعدم الوثوق بها أو لتكرر مضامينها مع ما نقلناه، وقد ذكر الكفعمي أيضا جامعة كبيرة في البلد الأمين أوردتها في أعمال يوم الجمعة وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى“ [21] .

• الرابع: ما أشكل عليه أحد تلامذته، وهو التبريزي الاصفهاني الأفندي، وذلك في ج110، ص177 حيث قال: ”ورأيتكم قد تركتم إيراد بعض الأخبار والتحقيقات والفوائد والأبحاث والأجوبة من الكتب التي ذكرتموها في فهرست البحار أول مرة ككتاب الصراط المستقيم للبياضي العاملي وكتاب سعد السعود للشريف ابن طاوس فكنت أظن أنكم ستدركون ما فات منكم منها مع أخبار كتب تتجدد لكم بعد إن شاء الله جل وعز في شرحه وما رأيتكم تحيلون في تضاعيف أخبار البحار وبياناتها مرة إلى الشرح بأن تقولوا مثلاً بعد إيراد أخبار في باب من أبوابه هذه العبارة بعينها مثلاً وتمام الأخبار الواردة في هذا المعنى أو تمام التحقيق في ذلك موكول إلى شرحنا على هذا الكتاب يعني البحار حتى إذا نسيتم أنه سبق الوعد منكم بتأليف شرحه ذكرتم في هذا الإلحاق الأخير كتاب المستدرك ولا يستقيم هذا على ظاهره لأنه تأبى ترتيب أبواب البحار عن ترتيب أبواب كتاب المستدرك“.

النتيجة التي يخلص إليها

بناءً على ما سبق ذكره من شواهد وقرائن يرى السيد الحيدري بأن العلامة المجلسي لم يرد بكتابه بحار الأنوار أن يجمع بين الغث والسمين أو بين الصحيح والسقيم كما يظن البعض، وإنما أراد أن يجمع من الروايات ما هو معتقد بصحتها إلا ما استثناه الدليل، وذلك لما مر بنا من الآتي:

• أولاً: تصريحات العلامة المجلسي نفسه في مقدمة الكتاب.

• ثانياً: ما ذكره بعض تلامذته، وهو الميرزا عبدالله الأصفهاني الأفندي.

• ثالثاً: تعليقات العلامة المجلسي على العديد من الروايات التي لم يوافق عليها، سواءً من ناحية السند أو الدلالة أو السند والدلالة.

• رابعاً: الشواهد الإضافية التي صرح فيها بأنه لا ينقل جميع ما ورد في بعض المصادر التي أخذها منها.

مناقشة أبرز الإشكالات والردود

ما طرحه السيد كمال الحيدري - حفظه الله - في رؤيته السابقة أضحى محط أنظار بعض النقاد من فضلاء الحوزة العلمية، ولذا من المهم الآن أن نقوم باستعراض ومناقشة أبرز ما تم طرحه من إشكالات وردود، وذلك لنرى فيما إن كانت تامة أم لا.

أولاً: العلامة المجلسي لا يتبنى صحة جميع روايات البحار:

اشكل البعض من الفضلاء على ما طرحه السيد الحيدري بالقول: بأن قوله أن العلامة المجلسي يعتقد بصحة جميع ما ورد في كتابه «بحار الأنوار» مجانب للصواب، كما أن استشهاده على ذلك بتعليق العلامة المجلسي على بعض الروايات ببيان أنها غير مقبولة أو غير صحيحة مثلاً وتركه التعليق على الروايات الأخرى ليس فيه دلالة أيضاً على ما أراد، لأن العلامة المجلسي في مقدمة كتابه أشار إلى أنه قد اعتمد على مجموعة من المصادر غير المضبوطة، حيث فرق بين نوعين من مصادر كتابه: مصادر مضبوطة متواترة معروفة، ومصادر غير مضبوطة ولا معروفة، ولا شك أن مرويات المصادر التي من النوع الثاني تحتاج عنده إلى تدقيق وتأمل، وبالتالي فإنه لم يكن بصدد التصنيف وبيان المقبول من غير المقبول.

وهذا الكلام يلاحظ عليه ما يلي:

• أولاً: صحيح أن السيد الحيدري يرى أن العلامة المجلسي يعتقد بصحة جميع الروايات الصادرة في كتابه، ولكنه قيد ذلك بقيد ”إلا ما خرج بالدليل“، بل وذكر لبيان ذلك بعض الموارد من تعليقات العلامة المجلسي نفسه على بعض الروايات التي لم يتبنى صحتها، ولذا من غير الصحيح تصوير المسألة وكأنه لم يقيدها بهذا القيد كما جاء في الكلام المتقدم.

• ثانياً: ذكر السيد الحيدري بأنه في الموارد التي لم يُبين فيها العلامة المجلسي موقفه بالرفض فإن ذلك يكون عنده مما خرج بالدليل، ومن هنا فإنه إذا بين أن هناك بعض المصادر غير الموثوقة التي أوردها في كتابه، فإن هذا سيكون واقعاً ضمن هذا الاستثناء، وعليه فإن الكلام المتقدم أيضاً غير دقيق بل وغير صحيح، لأنه لا ينطبق أبداً على ما طرحه السيد الحيدري.

ثانياً: كلام العلامة المجلسي في المقدمة لا يدل على صحة الروايات:

كذلك رأى بعض الفضلاء أن استشهاد السيد الحيدري بما ذكره العلامة المجلسي من مدح لكتابه في مقدمة الكتاب ج1، ص5 بقوله: ”فيا معشر إخوان الدين، المدعين لولاء أئمة المؤمنين. اقبلوا نحو مأدبتي مسرعين، وخذوها بعين الإذعان واليقين، فتمسكوا بها واثقين“، لا يدل على أنه يحكم بصحة ما جاء فيه، كما أن ما توهمه السيد الحيدري من أن التعبير بكلمة ”مأدبتي“ فيها إشعار بكون العلامة المجلسي معتقد بصحة ما جاء في الكتاب غير صحيح أيضاً[22] ، بل هو من الغرائب على حد تعبيره، وذلك لأن الذوق العربي - كما يقول - يأبى هذا الاستظهار، ولإثبات ذلك ولتقريب كلامه للذهن أتى بالمثال التالي:

لو دعوتك لمأدبة من الطعام، ووضعت لك مجموعة من الأصناف خمسة أو عشرة مثلاً، فهل من الضروري أن تكون جميع الأصناف التي وضعتها على المأدبة موضع قبول عندك أو موضع اعجاب لديك، بالطبع لا، إذ يحتمل أن تكون كذلك ويحتمل أن لا تكون كذلك. هذا بالنسبة لك كضيف.

أما بالنسبة لي ك «صاحب المأدبة»: هل يلزم من وضعي للأصناف الخمسة أو العشرة أني أعتقد بلذتها جميعاً، بالتأكيد لا، إذ من الممكن أن أضع في مأدبتي بعض المأكولات التي لا أحبها، فليس من الضروري أن يكون من يُقدم المأدبة مقتنعاً بلذة جميع الأصناف المقدمة فيها، إذ من المحتمل أن يكون بعضها مقبول وبعضها غير مقبول، سواءً لديه أو لدى الضيوف.

بمثل هذا الكلام حاول بعض الفضلاء نقد استشهاد السيد الحيدري بمفردة ”مأدبتي“ التي استعملها العلامة المجلسي، ولكني أعتقد بأن هذا النقض غير تام، لأن الناقد قام بتسطيح القضية وتحويرها وإظهارها على خلاف حقيقتها وواقعها، وسوف يتضح ذلك من خلال الآتي:

• أولاً: أن هذه المسألة ليست متعلقة بالرغبة والمقبولية من عدمها حتى يصح هذا المثال، وإنما متعلقة ب هل يصح الأخذ أو لا يصح؟ ولذلك فإن المثال المتقدم عن لذة ما يقدم في المأدبة لم يكن موفقاً من وجهة نظري، لأن المثال المناسب هو أن يشير المثال إلى أن صاحب المأدبة قدم فيها ما فيه الهلاك أو الخطر على الصحة، وليس ما هو لذيذ ومرغوب به أو لا، لأن ما هو موجود في مأدبة المجلسي «البحار» ليس مما يكون الإنسان فيه مخيراً بلا أي خطورة إن شاء أخذ بما يرغب منه وترك ما لا يرغب به، بل إن الإنسان سوف يأخذ منه ما قد ينجيه وما قد يهلكه، وهذا ما أكد عليه الشيخ محمد آصف محسني في كتابه «مشرعة البحار»، حيث يقول: ”وسيعلم من مقدمة الكتاب انه لابد لبحار الانوار من وضع مشرعة تسهل على الشاربة والواردة وتنجيهم من الغرق والتهلكة“ [23] . فالمسألة ليست مجرد أذواق ورغبات فحسب، وإنما مسألة نجاة من الغرق والتهلكة.

كذلك يقول الشيخ آصف محسني: "ولاجله اقدم الفقير على كتابة هذه التعليقة وبناء هذه المشرعة حتى يعلم اهل العلم المتوسين ان في بحار العلامة المجلسي - رضوان الله عليه - مع كونها بحار الانوار - جراثيم مضرة لشاربها ومواد غير صحيحة لابد من الاجتناب عنهما، واشياء مشكوكة ومشتبهة وجب التوقف فيها، ومن يشرب من بحار انواره فليجيء إلى المشرعة فانها مناسب للاستستقاء

اسقيك من بارد على ظمأ *** تخاله في الحلاوة العسلاً

حتى من أراد ركوب السفينة الجارية في البحار فلابد ان يركبها من المشرعة حتى يأمن من العثرة والله العاصم"[24] .

هنا نلاحظ أيضاً أن الشيخ آصف محسني عبر بقوله: ”جراثيم مضرة لشاربها ومواد غير صحيحة لابد من الاجتناب عنهما“، وهذا يدل على عدم انسجام المثال المتقدم مع حجم وحقيقة ما هو موجود في كتاب بحار الأنوار نظراً لخطورة الأمر.

كذلك نجد الشيخ محمد تقي أكبر نجاد في مقال له حول كتاب «مشرعة البحار» يصف بعض ما احتواه البحار «بالألغام» مما يؤكد على خطورة الأمر أيضاً، وذلك بقوله: ”ويعتبر كتاب «مشرعة بحار الأنوار» للعلامة الشيخ محمد آصف محسني، معلمة توضح مدى سعي واجتهاد هذا العالم في تفكيك الألغام التي زرعت في حقل الأحاديث، وتصفية الروايات الصحيحة عن السقيمة“ [25] .

ويقول أيضاً في مورد آخر من مقالته: ”بحار الأنوار هي في الحقيقة بحار أمواجها عاتية، ولن ينال أنوارها إلا من تسلَّح بمعرفة الأحاديث، واستقال بنفسه عمّا يخالف العقل والشرع، كذاك الراكب البحر تتجاذبه الأمواج هنا وهناك، والجو عاصفة هوجاء، فإن هو لم يحسن إدارة السفينة والمجداف قطعت مركبه الصخور والأحجار، وأردتها حطاماً تطوف فوقها طيور الموت وذئاب الفلاة، لكن متى كان مسلَّحاً بالمعرفة، ومستوعباً لكيفية الإدارة، نأى بنفسه عن أماكن الهلكة، وبلغ شاطئ الأمان وقد نجا... حسبك أنه مشرعةٌ، من وردها نال بغيته، وأمن لنفسه السلامة في الدين والدنيا“ [26] .

نلاحظ مما أوردناه آنفاً أن «بحار الأنوار» فيها من الخطورة الشيء الكثير، ويحتاج من يغوص في أعماقها الحذر الشديد للنجاة من الغرق والتهلكة، كما أن فيها ”جراثيم مضرة لشاربها ومواد غير صحيحة لابد من الاجتناب عنهما واشياء مشكوكة ومشتبهة وجب التوقف فيها“ كما يعبر الشيخ آصف محسني، وكذلك لا بد من الاجتهاد في ”تفكيك الألغام التي زرعت في حقل الأحاديث“ الموجودة فيها حتى نبلغ شاطئ الأمان وننجى، ونأمن لأنفسنا السلامة في الدين والدنيا كما عبر الشيخ محمد تقي أكبر نجاد.

ولذلك كله؛ كان حري بالناقد أن يُمثل بمثال يكشف فيه عن أن هذه المأدبة قد تحتوي على ما فيه خطر على الصحة بشكل مباشر كوجود أطعمة متسممة مثلاً، فمثال هذا هو المثال المناسب مع حال كتاب بحار الأنوار، وليس كما صور الأمر وكأنه مجرد اختلاف بسيط في الأذواق والرغبات ليس إلا.

• ثانياً: أننا نلاحظ أن العلامة المجلسي نفسه لم يستعرض «بحار الأنوار» ويترك الخيار للآخرين بشكل يناسب الأخذ منه وعدمه كما في حالة الاختلاف في الأذواق والرغبات، وإنما جعل النجاة في التمسك به بقوله: ”اقبلوا نحو مأدبتي مسرعين، وخذوها بعين الإذعان واليقين، فتمسكوا بها واثقين“، وفي المقابل جعل الهلاك في تركه بقوله: ”ولا تكونوا من الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويترشح من فحاوي كلامهم مطاوي جنوبهم، ولا من الذين اشربوا في قلوبهم حب البدع والأهواء بجهلهم وضلالهم، وزيفوا ما روجته الملل الحقة بما زخرفته منكروا الشرايع بمموهات أقوالهم“، وكذلك في قوله: ”كفاك عماك يا منكر علو أفنانه!، وسمو أغصانه حسداً وعناداً وعمها وحسبك ريبك، يا من لم يعترف برفعة شأنه! وحلاوة بيانه جهلاً وضلالاً وبلها“. وهذا يدلل على أن المثال المتقدم غير موفق، لأن العلامة المجلسي جعل النجاة في الأخذ بكتابه وجعل الهلاك في تركه، ولم يجعل الأمر بالخيار حتى يصح معه المثال.

• ثالثاً: لعل العلامة المجلسي استفاد من بعض الروايات في التعبير بالمأدبة، ففي رواية عن الرسول الأكرم ﷺ أنه قال: ”القرآن مأدبة الله، فتعلموا مأدبته ما استطعتم“ [27] . إذا لعله أقتبس تعبيره ”مأدبتي“ من مثل هذه الروايات، فهذا ليس بمستبعد من شخص اهتم بجمع الروايات وتدوينها. وهذه الرواية كما هو واضح لا تنسجم مع القول بأن العلامة المجلسي قد أراد أن يورد في مأدبته «كتابه» الغث والسمين أو ما فيه النجاة والهلاك أو ما لذ وطاب وما لم يلذ ويطيب. وتخيلوا لو جاءكم شخصان: قال لكم الأول: بأنه يفهم من الكلام الوارد عن الرسول الأكرم ﷺ أن القرآن لايوجد به إلا الأمور النافعة والمفيدة، لأنه ﷺ عبر عنه ب ”مأدبة الله“ سبحانه وحث الناس على التعلم منه. وقال لك الآخر: لا، وبين رفضه لمثل هذا الفهم، لأنه يرى أن ما ورد عن الرسول الأكرم ﷺ لا يدل على ذلك، إذ ربما يرى بأن في القرآن الكريم - والعياذ بالله - أمور غير نافعة وبل وأمور ضارة. فأي الموقفين سوف تعتقد بصحته وتتبناه؟! هذا المثال هو فقط لتقريب استشهاد السيد الحيدري حول عبارات العلامة المجلسي، ونقض بعض الأقاويل الأخرى التي حاولت نقد كلامه، إذ أن الموقف الأول ينطبق على الاستظهار الذي خرج به السيد الحيدري من عبارات العلامة المجلسي، وأما الثاني فينطبق - كما هو واضح - على كلام الناقد.

• رابعاً: ظهور كلمات العلامة المجلسي تُدلل على كونه يتبنى في الأصل صحة ما جاء في كتابه، وإلا لكانت ظهور عباراته تدل على عكس ذلك كما فعل غيره من العلماء، وكمقارنة بين ظهور عباراته وظهور عبارات غيره نذكر على سبيل المثال ما ذكره الشيخ الحويزي في مقدمة تفسيره نور الثقلين، حيث قال: ”وأما ما نقلت مما ظاهره يخالف لإجماع الطائفة فلم أقصد به بيان اعتقاد ولا عمل، وإنما أوردته ليعلم الناظر المطلع كيف نقل وعمن نقل، ليطلب له من التوجيه ما يخرجه من ذلك، مع أني لم أخل موضعاً من تلك المواضع عن نقل ما يضاده، ويكون عليه المعول في الكشف والإبداء“ [28] . فمن الواضح من ظهور عبارات الشيخ الحويزي في مقدمة كتابه أنه لا يتبنى صحة ما جاء في كتابه بخلاف ظهور عبارات العلامة المجلسي.

رابعاً: دلالة عنوان الكتاب

من ضمن الإشكالات أيضاً هو عدم صحة ما قدمه السيد الحيدري من دلالة عنوان الكتاب «بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار»، وذلك لأن العلامة المجلسي لم يكن في مقام الحصر كما فهم السيد الحيدري حتى يجعل ذلك شاهداً على كون العلامة المجلسي يعتقد بصحة جميع الأخبار، فالعنوان يدل على أن هذه البحار تتضمن درر أخبار الأئمة الأطهار، ولكن لا يعني أنها لا تتضمن غيرها، ولذلك فإن العنوان يكون شاهداً لإثبات الرؤية الأولى القائلة بأن العلامة المجلسي أراد أن يجمع في كتابه الغث والسمين، وليس على الرؤية الثانية المخالفة للمشهور والتي يتبناها السيد الحيدري.

وهذا الكلام يلاحظ عليه ما يلي:

• أولاً: ما أشار إليه السيد الحيدري من دلالة عنوان الكتاب جاء كنقض لمن يستشهد باسم الكتاب على إثبات الرؤية الأولى القائلة بأن العلامة المجلسي جمع في كتابه الغث والسمين ولم يذكره كشاهد للرؤية التي يتبناها، ولذا لا يصح النظر إلى هذا الأمر بمعزل عن جميع الشواهد التي قدمها لإثبات هذه الرؤية والتي أشرنا إليها فيما تقدم.

• ثانياً: ربما يكون ما ذكره الناقد صحيحاً من الناحية المنطقية البحتة، فالقول بأن هذا «بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار» يستلزم وجود درر الأخبار عن الأئمة الأطهار في الكتاب، ولكنه ربما لا يستلزم - من ناحية منطقية بحتة - خلوه من غيرها، غير أني لن أتحدث عن ذلك من ناحية الاستلزام المنطقي، وإنما سوف أبين أن ما طرحه السيد الحيدري ينسجم تماماً مع ما يقوله علم ”تحليل الخطاب“، ففي هذا العلم هناك مستويات للتحليل تبدأ من دلالة المنطوق والمفهوم، ولكن لا يقف عند مستوى اكتشاف ”المفهوم“ من خلال ”المنطوق“، بل يتجاوز ذلك إلى ما يطلق عليه في مصطلحات علم تحليل الخطاب اسم ”المسكوت عنه“، وهذا المستوى الأخير يمثل الدلالة المستنبطة من مفهوم القول. ويمكن أن يكون ”المسكوت عنه“ يمثل دلالة إضافية للمفهومين على نحوين:

o أولاً: بالمعنى الإيجابي: فمثلاً حين ينهانا القرآن الكريم في قوله تعالى: «فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً* واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً»، فإنه يجب عدم الوقوف في تحليل هذا القول عند حدود ”المفهوم“، أي النهي عن الإيذاء بالقول والدعاء للوالدين بالرحمة، بل إن هذا المفهوم يشير بدلالة النهي عن الإيذاء القولي إلى النهي عن الإيذاء البدني، وعن كل أنماط القسوة ولو بالنظرة أو بالإشاحة بالوجه... إلخ.

o ثانياً: بالمعنى السلبي: أي بدلالة المخالفة. بمعنى أن المنطوق يدل على مفهوم يستدعي ما يخالفه لا ما يطابقه أو يتماثل معه، ولنأخذ مثلاً على ذلك يافطة ”فرع المعاملات الإسلامية“ في أحد البنوك: هل هي مجرد عبارة واصفة؟ أم أنها تشير - بدلالة المخالفة - إلى أن ما سواه من الفروق للبنك نفسه هي فروع معاملات ”غير إسلامية“ [29] .

ومن الواضح أن دلالة المسكوت عنه بالمعنى بالسلبي ينسجم مع ما ذكره السيد الحيدري، فإذا ذكر العلامة المجلسي بأن كتابه هو «بحار الأنوار الجامعة لدرر الأئمة الأطهار»، فهذا يوحي من خلال تحليل الخطاب أنه يتميز عن غيره من كتب الأحاديث الأخرى بهذه السمة، إذ ربما يكون غيره من كتب الحديث ليس بحاراً، أو يكون بحاراً ولكن ليس للأنوار، أو بحاراً للأنوار ولكن ليس جامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار .

كلمة الختام

تناولت في هذا الموضوع رؤية سماحة السيد كمال الحيدري - حفظه الله - المتعلقة بحقيقة موقف العلامة المجلسي من مرويات كتابه «بحار الأنوار»، كما ناقشت بإيجاز أبرز الإشكالات التي أوردها بعض الفضلاء. أتمنى أن أكون قد وفقت لبيان ذلك على الوجه الأكمل، وإن كنت أعلم بأن ما قدمته لا يخلو من قصور ونقاط ضعف ولو في بعض النواحي.

 

[1]  طبعاً التعبير عن سماحة السيد كمال الحيدري حفظه الله ب ”الأستاذ“ ليس من باب التواضع كما قد يظن البعض، وإنما هذا أمر واقع، فلقد استفدت من سماحته في تحصيل العديد من المعارف الدينية والحوزوية «في المنطق والعقائد والفلسفة والفقه والأصول والأخلاق والتاريخ وغيرها»، كما استفدت منه كثيراً أيضاً من خلال متابعة دروسه وأبحاثه بشكل متواصل في البحث الخارج لعلمي الأصول والفقه لمدة لا تقل عن 4 سنوات.
[2]  للاطلاع راجع بحث خارج أصول الفقه للسيد كمال الحيدري، «تعارض الأدلة» من الدرس 197 وما بعده
[3]  راجع ما كتبه الشيخ آصف محسني في مقدمة كتابه «مشرعة البحار»، وكذلك راجع ما ذكره السيد كمال الحيدري في بحث خارج الأصول، «تعارض الأدلة»، الدرس رقم 197، و198.
[4]  راجع بحث خارج الأصول للسيد كمال الحيدري «تعارض الأدلة»، الدرس رقم 200.
[5]  طبعاً هناك أمور أخرى ذكرها البعض من المؤيدين للرؤية الأولى كشواهد على صحتها وهي:
• الأول: أن غاية الشيخ المجلسي كانت أن يكتب كتاباً جامعاً حفظاً للتراث الروائي من الضياع، ولم تكن غايته الحكم بالصحة والصدور.
• الثاني: التناقض الموجود في الروايات.
• الثالث: اشتمال كتاب بحار الأنوار على مرويات العامة، إذ لا يعقل أن شيخنا المجلسي يتبناها أو يلتزم بها.
• الرابع: أسمه «بحار الأنوار» إذ نحن نعلم بأن البحار يشمل الحجر كما يشمل المدر، ويشمل اللؤلؤ كما يشمل غيره. فهذه هي بعض الشواهد التي قدمها البعض، ولكن السيد الحيدري لم يشر إلا إلى الشاهد الثاني والرابع.

[6]  بعضهم نقض كلام السيد الحيدري بقوله: بأن السيد الحيدري وقع في اشتباه وهو أن التوصيف في مقام الحصر، وهذا غير صحيح، نعم العنوان: «بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار» ولكن هذا لا يعني بأنها لا تتضمن غيرها، فهي تتضمن درر أخبار الأئمة الأطهار كما تتضمن شيء آخر، ولهذا يصلح أن يكون العنوان شاهداً لإثبات الرؤية الأولى". انتهى كلامه. أقول: لو أشرتم إلى عالم في مجال معين بالقول بأنه في مجاله العلمي بحر زاخر بالعلم، فهل معنى ذلك بأنه زاخر بعدم العلم في نفس المجال أيضاً؟!! اكتفى هنا بهذا التعليق العابر وأترك الحكم للقارئ الكريم، علماً بأني سوف أناقش هذه المسألة بشكل أوسع حين استعراض ما طرح من إشكالات وردود.
[7]  بحث خارج الأصول، تعارض الأدلة، الدرس رقم «200». وكشاهد للتناقض الموجود في روايات البحار ذكر بعض النقاد من الفضلاء أن العلامة المجلسي في نقل الكرامة نفسها للإمام الكاظم وللإمام الرضا وللإمام الجواد ، ولا يتصور أن القضية تكررت وبنفس الحيثيات، فهذا صعب جداً ولا يصدقه العقل.
[8]  بحث خارج الأصول، تعارض الأدلة، الدرس رقم 200.
[9]  يقول السيد الحيدري: عندما تريد أن تقرأ أي كتاب فعليك بقراءة المقدمة أولاً لتعلم ما هو منهجه وماذا يقول عن كتابه، ولهذا لو ترجعون لكتبي في شرح الحلقات كالحلقة الثالثة مثلاً تجدون بأني في المقدمة بينت بأن هذا الكتاب هو على مستوى السطوح العالية وليس بالضرورة أتبنى كل ما هو موجود فيه، وكذلك الأمر عندما تقرأون كتابي في فقه البيع أيضاً، ولكن عندما تقرؤون كتابي في المكاسب المحرمة فالأمر يختلف، ومن يقرأ المقدمة لهذه الكتب يتضح له جيداً إن كنت أتبنى ما هو موجود فيها أو لا.
[10]  بحار الأنوار للعلامة المجلسي، ج1، ص5 - 6.
[11]  بحث خارج أصول الفقه، للسيد كمال الحيدري، تعارض الأدلة، الدرس رقم 200.
[12]  للأسف الشديد بأن بعض المستشكلين على السيد الحيدري لم يعلقوا على هذا الشاهد رغم أهميته الكبرى.
[13]  راجع بحث خارج أصول الفقه للسيد كمال الحيدري، تعارض الأدلة الدرس رقم 200.
[14]  راجع المصدر السابق.
[15]  سأذكر فقط بعض النماذج التي استطعت الوصول إليها من كتاب بحار الأنوار من خلال البحث في مكتبة الشيعة الإلكترونية، علماً بأن السيد الحيدري يعتقد أن العلامة المجلسي يؤسس من خلال هذه التعليقات لبعض القواعد للتعامل مع الروايات بحسب المباني التي يعتمدها.
[16]  بحث خارج أصول الفقه للسيد كمال الحيدري، تعارض الأدلة، الدرس رقم 201
[17]  أمل الآمل للحر العاملي، ج 2، ص 248 - ترجمة رقم «733».
[18]  راجع بحث خارج علم الأصول للسيد كمال الحيدري، «تعارض الأدلة» الدرس رقم201 - 202.
[19]  المصدر السابق. الدرس رقم 201.
[20]  هنا كما يقول السيد الحيدري يصرح العلامة المجلسي لم يذكر بعض ما جاء في بعض الكتب لبعض الجهات إمّا لعدم الاعتبار وإمّا للتكرار وإمّا لأن المضمون موجود في الروايات التي نقلها، وإمّا لأي جهة كانت غير ذلك.
[21]  وجدت هذا الكلام في بحار الأنوار، للعلامة المجلسي، ج 99، ص 209. وبهذا يتضح بطلان ما ذكره المحدث النوري لأن العلامة المجلسي لم يفوته شيء، لأنه يصرح بأن هناك زيارات جامعة أخرى ذكرها الكفعمي في البلد الأمين وأوردها في أعمال يوم الجمعة ولكني لم أذكرها.
[22]  لاحظوا هنا بأن المستشكل في هذا المورد لم يبين حقيقة كلام السيد الحيدري من أنه نسب للعلامة المجلسي اعتقاده باعتبار ما جاء في كتابه إلا ما خرج بالدليل.
[23]  مشرعة بحار الأنوار، تأليف آية الله الشيخ محمد آصف محسني، ج1، ص6 مؤسسة المعارف للمطبوعات بيروت - لبنان الطبعة الثانية 1326 هـ 2005م.
[24]  المصدر السابق، ج1، ص11.
[25]  مقال بعنوان: النقد الحديثي عند الشيعة الإمامية قراءة في كتاب «مشرعة بحار الأنوار» للشيخ محمد تقي أكبر نجاد، ترجمة: نظيرة غلاب، منشور على موقع مجلة نصوص معاصرة.
[26]  المصدر السابق.
[27]  بحار الأنوار للعلامة المجلسي، ج 92، ص18 - 19.
[28]  تفسير نور الثقلين، ج1 - ص2 «المقدمة» - مؤسسة اسماعيليان - قم المقدسة، طبعة 1412 هـ .
[29]  ما ذكرته هنا منقول ببعض التصرف من كتاب التفكير في زمن التكفير للدكتور نصر حامد أبوزيد ص74 وما بعدها، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2014م.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
داود
19 / 10 / 2016م - 2:45 م
رؤية ضعيفة

وشواهدها أضعف منها

ولا تستحق كتابة هذا المقال
2
كميت
24 / 10 / 2016م - 8:13 ص
ومن هو اصف محسني وما مكانته في الحوزة العلمية سواء بالنجف او قم .

والسؤال هل هناك من استحسن او أيد مشرعة اصفي محسني في الحوزات العلمية النجفيه او القمية . والا فان مشرعته لا تساوي عندي قرش واحد وهو فعلا لا يساوي قرش واحد ومصدي بعد . اقول هذا لاني اعرف ان كتاب اصفي محسني لا قيمة له في الحوزات العلمية