آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 6:35 م

أم زكي آل ربح.. ناعية الحُسَين «عَلَيهِ السَّلَامُ»

الشيخ سمير آل ربح

«أُم زكي آل ربح» كنيةٌ أضحت أكثر تعريفًا لها من اسمها، يعرفه كل من جاورها أو سمع عنها سواء أكان في مسقط رأسها العوامية أم في حاضرة القطيف «القلعة» أم في حي الناصرة.

ولستُ في صدد الحديث عن مزاياها «رحمها الله»؛ فهذا يطول، ولا يمكن بيانه في هذه المساحة الضيقة.

لكني سأتوقف عند جانب واحد من جوانب حياتها، لعله الأبرز.

في كلمة مختصرة، أستطيع القول إنها:

عاشت مع الحسن ورحلت مع الحُسَين.

فهي بحق مصداق لما ورد عن الإمام الباقر «عَلَيهِ السَّلامُ» وهو يخاطب الفضيل بن يسار - أحد أصحابه - ويقول له:

» يَا فُضَيلُ! أَتَجْلِسُونَ وَتَتَحَدَّثُون؟

قَلْتُ: بَلَى سَيِّدِي.

قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ تِلْكَ المَجَالِسَ؛ فَأَحْيُّوا فِيهَا أَمْرَنَا. مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يُحْيَا فِيهِ أَمْرُنَا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَومَ تَمُوتُ القُلُوبُ «.

ولي هنا إشاراتٌ في هذا الجانب لمستُها بنفسي أو سمعتُها منها أو ممن حولَها، بحكم قُربي من الرَّاحلة المرحومة، فأنا حفيدُها وقد ترترعرتُ في هذا البيت منذ نُعومة أظفاري:

1 - ارتضعتْ حب الحُسَين من أمها؛ إذ كانت هي بدوره خطيبةً تُقيم مجالس أهل البيت؛ فأخذت هذه المهمة الرسالية من والدتها.

2 - بدأتْ منذ صباها في بلدة العوامية مهمة القراءة الحُسَينية، واستمرت على هذا المنوال ما يقارب السبعين سنة، من دون كلل ولا ملل، بل بحب وشوق منقطع النظير.

3 - حين انتقالها إلى القطيف لم تنقطع عن العوامية، بل واصلت ارتباطها ببلدتها القديمة إحياءً لمجالس أهل البيت، في رحلات شبه يومية مصطحبة معها أحد أبنائها، مع صعوبة توفير المواصلات آنذاك، ويصادف أن تبقى في بلدتها أيامًا تاركة العيال حُبًّا في إحياء ذكرى سيد الشهداء شهري محرم وصفر.

4 - كانتْ مُعلِّمةً للقرآن الكريم، مصداقًا لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ:» خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ «، وقد التقيت برجل ستيني يذكر لي خواطره عن تتلمذه على يد الجدة إبَّان صغره، وهكذا العشرات بل المئات ممن جلسوا بين يديها تعلمًا للقرآن الكريم.

5 - دأبتْ على إقامة مجالس الذكر على مدار العام دون انقطاع، بل حتى في مرضها كان تأمر الوالدة والخالات بإحياء المناسبات المتنوعة.

6 - ربَّتْ مجموعة من المؤمنات على الخطابة الحُسَينية، وبدورهن قمن بأدوارهن في الإحياء والذكر.

7 - حين أرادت العائلة الانتقال من حي البستان إلى حي الناصرة قبل ربع قرن أو يزيد، كان من شرطها أن يكون جزءٌ من البيت حسينيةً لتُقيم فيها المجالس، وهكذا كان لها ما أرادت، فجمعت الشمل في الحي الناشىء آنذاك وبدأت على الفور القراءة واستمرت إلى حين وفاتها.

8 - أصرَّتْ على زوجها الجد أبي زكي «رحمه الله» بأن يشتري أرضًا لتبني عليها حسينية في حي الناصرة، فنفَّذ لها الجدُّ طلبها بسعي الأخوال، وفي هذا الموقف أشد على أيدي الأخوال الأعزاء بسرعة تنفيذ رغبتها، وتحويل هذه الأرض اليَباب إلى صَرحٍ شَامِخٍ من صروح أهل البيت، لا لكي يقام عليها مجرد بناء من أربعة جدران، بل ليُحَوَّل إلى مركز إشعاع ينير للناس الطريق ببركة علوم أهل البيت «عَلَيهم السَّلامُ».

9 - وصيتها التي لا تمل من تكرارها لبناتها هي الاستمرار على هذا النهج، وستنفذ وصيتها بإذن الله تعالى.

10 - وأخيرًا، كان الحُسَينُ سُلوتَها كلما اشتد بها المرض أو ضاق بها الصدر، فإذا ما سمعت بذكره وأهل بيته تَهَلَّلَتْ أسَاريرُها وَصَفَا قَلْبُهَا وَزَالَ كَدَرُهَا.

وفي ليلة ما قبل وفاتها كنت جالسًا معها أتبادل معها الأحاديث وأضحكها، وكان الحديث المفضل - كالعادة - هو الحُسَين، وانصرفتُ عنها على حب الحُسَين عَلَيهِ السَّلَامُ، وأنا ألوِّحُ بيدي لها مودِّعًا، وكأنه ألقي في روعي أنه اللقاء الأخير!

اَللَّهُمَّ ارْزُقْها شَفاعَةَ الحُسَين يَوْمَ الْوُرُودِ وَثَبِّتْ لها قَدَمَ صِدْق عِنْدَكَ مَعَ الحُسَين وَأَصْحابِ الحُسَين اَلَّذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الحُسَين عَلَيهِ السَّلَامُ.

كلمة الشيخ سمير الربح في فاتحة الحاجة الخطيبة أم زكي آل ربح

http://cutt.us/omzaki