آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 1:30 م

علماء القطيف والمجتمع

سلمان العنكي

المجتمع القطيفي خرّج قامات علمية، والجهل يُرخي بظلاله على أكثر مناطق العالم ، من يستقريء التاريخ يراه غالباً عصر ظلام في تلك الفترة . في حين يجد مصابيحاً من علماء القطيف أضاءت ارضها وانارت سماءها وتعدت.

ولازال في اذهان كبار السن ذكريات ان القطيف تسمى النجف الصُغرى لكثرة علمائها، منهم من جمع بين العِلمين، أما نجف العراق فهي حاضرة وحاضنة للعلوم والعلماء على مستوى العالم بأكمله، وكعبة لمن اراد له طلباً. والعالَم غرباً وشرقاً في سبات عميق غارق في جهله، وقريباً إن شاء الله نرى القطيف كما كانت نجفاً صُغرى. القطيف اليوم في عصرها الذهبي الزاهر. تزخر بعلماء الدين الذين يمرون بمراحل شاقة وطويلة في مسيرتهم العلمية الاولى: الطلبه حديثو اللحاق بالعلوم الحوزوية، يدرسون المبادئ منها اوكما تسمى بالمقدمات أولها اللغة.

الثانية: مَن قطع شوطاً وانهى المقدمات ولكن لازال عليه المواصلة وانهاء الكثير من المناهج والكتب الحوزوية المعتادة والمعروفة في الاغلب التى تؤهله الى مستوى اذا تجاوزه يتمكن من التدريس. الثالثة: من وصل الى مرحلة التدريس المبدئي ولكن عليه مواصلة درسه الى أعلى كلما امكن، حتى يصبح بمقدوره المحاضرة على طلبة من المستوى المتوسط ومن هم دون مستواه وعلى الاغلب هذه المرحلة تحدد طالب العلم هل هو متفوق ام لا؟ هل من الممكن ان يصل الى ما يؤهله للاجتهاد ومرحلة البحث الخارج؟. الرابعة: العلماء بمرتبة مايسمى ب «آ ية الله» هم النخبةالمتميزة التي تمكنت من استنباط الاحكام الفقهية وتعتمد على نفسها في الفتاوى ولوتبعيضاً، ويمكن اعتماد الغير عليها او بعضها، في القطيف حالياً من هذه الطبقة مافيه فخرها وعزتها. ولا استبعد ان تبرز في العقودالقريبة القادمة قيادات دينية «مرجعيات» يشاراليها بالبنان.

هذه نعمة مَن يحظى بها فقد اوتي حظاً عظيماً. وقد حظيتها القطيف. مقدمة بسيطة ومختصرة لما نريد الدخول فيه. نحن مجتمع يدين بماجاء به محمد وحمله من بعده آله . نحن اتباع مدرسة اهل البيت الكرام. القطيف مجتمع محب للعلم والعلماء، نشد على سواعد هذه الصفوة ونكن لهم كل احترام وتقدير، وهم اهل لذلك. ونقدر متاعبهم وانشغالاتهم وجهودهم المتواصلة ، يحتاج المنتمي الى العلم التحلي باخلاق وسلوك مشرفة.

نشكر جهودهم المضنية - ولكن في العين قذى وفي الحلق شجى - طرحُنا لهذا الموضوع يحتاج الى مكاشفة وتحمل ولونسبياً. وهنا اعتذر من عرض آراء ومقترحات غير موافقة للبعض، انا بشر قد اصيب وقد اخطأ، لااخشى النقد اومخالفة الرأي اذا كان بناءً، بل ارحب به، لإيماني ان تداخل الآراء ومقارعتها مع مايتمخض عنها توصل لحلول، وتفتح آفاق من المعارف، وتظهر هواجس المجتمع، أما الاعتراضات والآراء الهدامة أو المنحازة أو المشخصنة لاتعني شيئاً ولا اهمية لها، علماؤنا بشرتحصل منهم الغفلة ويتعرضون للنسيان ويقع منهم الخطأ وتلهيهم المتاعب أحياناً ولهم ظروفهم الخاصة ، وعليهم التزامات عائليه، ولايؤاخذ عليهم في ذلك، لكنها ليست مبرراً لمانطرحه فيمابعد ونطلبه منهم، لرحمك وجارك حق، ولمجتمعك حقوق، هم من ناحية التواجد المجتمعي ثلاث فئات.

«1» النشط المتميز في المجتمع المتواجد في اغلب المناسبات، من حبه لمجتمعه تراه مُنظماً في مجموعات - جروبات - مع ماله من انشغالات ومابهامن ازعاجات ويشارك كل يوم بمواضيع انشائية اونقلية ويجيب من يسأله. ويتدخل احياناً اذا احتاجت مسألة لجواب أوتصحيح. وماذاك الا ليصل رسالة لمجتمعه. مثل هذا محل تقدير واحترام.

«2» من تجده عند الطلب ولو بصعوبة، او في مواقف ولكن دون المطلوب بدرجات مع ذلك له الشكر والثناء لتجاوبه وتواجده.

«3» فيهم وللاسف من نسي مجتمعه الى ان وصل به الحال لا يعلم حيهم مِن ميتهم،،، ولايُعرف هو في حضر او سفر. وللمجتمع مواقف منه خاصة من هو بمستوى المرحلتين الثالثة والرابعة كما وضحنا وصنفنا سلفاً وهذا لايعني اعفاء البقية .

مع كثرتهم - يحفظهم الله ويزيدهم علماً وتوفيقا وتُقى ويطيل في اعمارهم - نحتاج ان ننادي احياناً من يصلي على جنازة وتتصل ولا مجيب - البعض ينأى بنفسه ان يصلي عليها - والجميع ينتظر . من المعقول يبحث ولي المسجد عن امام يؤم المصلين فلايجد الا بصعوبة وتمسكن وبشروط أولايجد؟ لااستبعد أن يأتي يوم كم يُدفع ليُصلى؟ أمِن المقبول يدخل من ناهز الستين عمراً مجلساً حاشداً بينهم عالم دين يبدأه احتراماً بالسلام كما هو متعارف عليه عندنا. واذا به ينفر في وجهه ويتلفظ بكلمات غير مقبولة حتى من جاهل. وبدون اسباب وكأن المُسلِم؟ دخل مسجداً.

وعندما يسأل هذا ماالذي حصل؟ ماذنبي؟ لماذا هذا الشيخ يعاملني هكذا؟ الجواب لاشيء هذا طبعه احياناً. عَمَل مع غيرك مرات من قبل. تصرف بغيض وسوء خلق قد يخرج ضعيف الايمان من دينه. للاسف حصل هذا وانا في المجلس. هل هذه تعاليم الدين؟ هل هذا ماتعلمته ياشيخ من اكثر من خمسين عاماً؟ هل هذه خلق جعفر بن محمد - ع -؟ لوشكاك إليه ماكنت فاعل؟ انت أهنت موالياً. ماذا يقول الحاضرون فيه وعنه؟ الايظن هؤلاء انه أجرم ما لايغتفر؟ مراجع دين يرحبون بالكبير ويقبلون يد الصغير لو جاء أحدهما مسلماً. الرسول الاعظم - صلى الله عليك وآلك - قبّل يداً عاملةً وقال «انها يد يحبها اللهُ ورسولُه» تعلم منهم.

كن داعية بأفعالك قبل أقوالك. العلم والحلم توأمان لا يُحسن الفصل بينهما . كن بئر غرس ولاتكن ماء بئر العسيرة. المريض تغمره الفرحة حين يعوده عالم ويعتبر بيته بُورِك بدخوله واذا به لايجد من يدخل عليه السرور ويرفع معنوياته وعنه معاناته. عزاء المتوفي ثلاثة ايام لاتجد بين المعزين عالماً في اغلب الاحيان، الامانذر ولاسباب. تكون مناسبة دينية واجتماعية اوحفل شبابي بأنجازات وطنية لاتجد من العلماء من يشارك فيها. ليس مطلوباً من العالِم حضوركل هذه المناسبات والمشاركة. نعم يصعب عليه والجميع يتفهم ذلك. وإنما بقدر الامكان. هلال شهري رمضان وشوال من يثبتهما لايبين على فتوى اي مرجع ثُبٌتت. أوكيف؟ حتى يعرف المقلدِ تكليفه، يصوم يفطر أو - لا؟ يبقى في حيرة من امره والسبب عدم التوضيح. على من يتصدى للتثبيت بيان كيفية اثباته أو نفيه، حتى يعمل كل مقلدِ بتكليفه الشرعي الموافق لفتوى مرجعه. صلة الارحام وحسن الجوار على اي وجه كانت وتكون؟ لوسألت عالِماً عن قطيعة الرحم أليست من الكبائر؟ بماذا يجيب؟ ان قال واجبة. هويعلم تارك الواجب مأثوماً. ولايسعه غيرهذا. الاان يدلس. نقل لي جمع من ابناء المجتمع وانا اعلم ان لهذا العالم وذاك رحِم من الدرجة الاولى، اخ، اخت، يحتاج وقفة معنوية فقط.

يصاب بعارض مرضي، اوتحترق داره. اويتعرض احد اولاده لحادث مميت. اومن مصائب الايام. ومااكثرها! فلا يسأل عنه مع علمه. ولاكأن الامريعنيه، اما ان كان الرحم اماً اواباً، فهذه ام المصائب، لوكان من سائر المجتع وهو بمكانته العلمية لوجب عليه الوقوف الى جانبه، كيف برحمه؟ ومنهم من يُعامل جاره كما يُعامل رحمه سلباً. أليس للجار حقوق؟ تعجز ان تُؤذي بعضها. تكون عنده الافراح والاتراح ولاعداوة بينكما. وان سلّمنا هناك خلاف. يفترض ان هذا ينهيه بمواساتك له ووقوفك جانبه.

ايضاً ليس مطلوباً منك كل يوم على باب رحمك اوجارك، لااقل عندالحاجة، والقائمة تطول، للاسف مِن الاخوان مَن يشتبه عليه فهم بعض المعاني. مجرد عرض فكرة اونقذ تصرف لعالم بأحترام ودون المساس بذاته. يقيم الدنيا ولايقعدها ويحولها الى جريمة يدافع عنه بأستماتة، وكأنك خرجت من الملة اوغيرت فيها. من انت حتى تُسفّه عقولَ الاصلاح بأخطاء الجهال؟ نأمل ونرجوا من العلماء ان يشدوا على ايدي بعضهم ويكونوا وحدة واحدة .

القطيف في حاجة ملحة لمجلس علمائي موحد يجمع اطيافها بغض النظر عن توجهات التقليد، في وقتنا الحاضراصبح هذا المطلب من الضروريات وأن يتناسوا السلبيات التى بينهم ولوبنسبة تقربهم الى بعض وتلم شملهم، وان يكونوا سداً منيعاً ضد من يريدُ بنا سوءاً من تيارات الحادية أوداعية للانحراف ويكون مقصداً للفتاوى الشرعية والصلاة.

ومن له رحم اوجار والكل منا له ارحام وجيران عليه ان يراجع وضعه وعلاقاته معهم. كما نطالب ان يكون للعلماء حضور واضح في المجتمع في جميع المواقف والمناسبات وبقوة حتى تكون وجوه المجتمع مشرقة بهم، ولهم يدٌ واحدةٌ يرفعونها متشابكة الاصبع.. هذا مطلب اجتماعي، نحن معكم . انتم قدوتنا. اذا فقدنا حضوركم بيننا بمن نقتدي؟ هذه الحقيقة قلتها وإن رُميت بأحجارها أواصابتني سهامها. ارجو ان تصل رسالتي هذه للجميع. مع تحياتي للعلماء العاملين، ولاطياف المجتمع.