آخر تحديث: 1 / 10 / 2020م - 12:56 ص  بتوقيت مكة المكرمة

10 ديسمبر تحول تاريخي

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

في مثل هذا اليوم، أي قبل 71 عاما، وعند منتصف ليلة العاشر من ديسمبر عام 1948، في إحدى ضواحي باريس وتحديدا في قصر «شايو»، حصل حدث تاريخي وتحوُّل عالمي، عندما أقرت الأمم المتحدة بأعضائها ال58 دولة، الوثيقة الأهم، وهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

هذه الوثيقة التي تؤكد أن ثمة حقوقا للإنسان يجب احترامها، كونها تحافظ على كرامة الإنسان، لم يكن صدورها حينذاك إيمانا بالمبدأ الإنساني، ولذلك يمكن تسميتها وثيقة سياسية، حتى إن الدول الأعضاء حينما كانت تجتمع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كانوا يتعاطون معها كوثيقة سياسية، شأنها في ذلك شأن بقية الوثائق السياسية الأخرى، التي تطرح في المحافل الدولية من الاقتراحات والتعديلات، بمعنى أنه لم يكن في بالهم حينها شيء اسمه وثيقة حقوقية.

لكن، يبدو أن الدول الغربية في تلك المرحلة - في مقدمتها أميركا والاتحاد السوفيتي - بدأت تدرك أهمية هذه الوثيقة وارتداداتها العالمية، وهنا أصبحت الاجتماعات ساخنة في عزّ الشتاء الباريسي، وقرروا أن الوثيقة يجب ألا تكون ملزمة للدول الأطراف المصادقين عليها، بل يتحتم أن تكون وثيقة إعلان، عبارة عن ديباجة قيمية ومواد مكتوبة بلغة جميلة فقط لا أكثر.

نعم، الدول الغربية الكبرى كانت تستنكف قضايا حقوق الإنسان، وبالتالي حاولت عرقلة الوثيقة بكل ما أوتيت من قوة، بحيث يظهر الإعلان ضعيفا هزيلا غير ملزم لأحد. وهذا أمر مفهوم سياسيا، فنحن نتحدث عن دول استعمارية مثل بريطانيا وفرنسا، وكذلك أميركا التي كانت عنصرية البيض والسود فيها مقننة حتى النخاع، ولا يمكن لهذه الدول أن تتحدث عن صدور اتفاقية أو عهد أو ميثاق ملزم، فهي بالتالي تقضي على نفسها بنفسها.

ولذلك، الذين يتحدثون اليوم بأن حقوق الإنسان صناعة غربية لا يعون ولا يتفهمون الحيثيات التاريخية التي صدر في ضوئها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لم يطرأ على بال المجتمعين في باريس، أنهم بهذه الطريقة أعطوا للوثيقة الأدبية قيمة عالية من حيث لا يشعرون، فهم قد منحوا الإعلان قوة روحية ومعنوية أكبر حتى من الوثائق الملزمة، وأصبح اليوم يتمتع بثقل سياسي وأخلاقي، بل صار يعد عرفا دوليا، تقاس به درجة احترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان والتقيد بأحكامها. ليس ذلك فحسب، بل أصبح - الإعلان - له سلطة حتى على الاتفاقيات، فصار الدليل والمرشد الذي سار على هديه المجتمع الدولي في صياغة الاتفاقات الدولية التي صدرت بعد 10 ديسمبر 1948، إذ ولدت من رحمه أكثر من 50 وثيقة أخرى، منها على الأقل 8 اتفاقيات مثل العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والآخر الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966، واتفاقية مناهضة التعذيب 1984، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1965... وغيرها.

ومما يؤكد أهمية الإعلان، باعتباره هاديا ومرشدا في صياغة علاقتها الدولية، مثلا في الاتفاقية بين تونس وفرنسا 1955 تعهدت تونس باحترام حقوق الإنسان، وفي ديباجة معاهدة السلام مع اليابان 1951 أعلنت اليابان أنها قد «عقدت النية علي أن تعمل على تحقيق أهداف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». في هذا العام، ينظم المجتمع الدولي يوم حقوق الإنسان حملةً تستمر عاما كاملا احتفالا بهذه الذكرى ال71.