آخر تحديث: 13 / 6 / 2021م - 2:20 م

إنها حريتي..إنها انسانيتي

السيد جعفر السادة

يشتاقون إليها، يحنون إلى معرفتها، يتمنون أن يمارسوها، أن تتفوه بها ألسنتهم، أن تصدح بها قريحتهم، حتى تشفى بها جراحهم، وتنطفأ حرارة غلهم، لأنها عضو من كيانهم البشري، صحيح أن القلة الذين يرونها بل يستبصرونها بالرغم أن صداها تصرخ به الرسالات السماوية من قديم الأزمان حتى تخرس به ألسنة مدعيها وتحبس به أصابع أزلام مانعيها أنها الحرية الانسانية على المقاس الآدمي بما تسمو من الطهارة والعلو فكيف بالبراءة الملتهبة وهي تنظر إليه وتتوجس اللحظة المناسبة للانقضاض عليه.

إنها حريتهم المغيبة، حقوقهم المنتهكة، الواجب ممارستها، والبحث عن السبل العفيفة للسير إليها ومواكبتها حتى مزاولتها. ليصرخوا، ليشتكوا، ليعبروا، ليهددوا، لتتصدر كل وسائل الاعلام عن كل من يتجرأ أن يخدعهم أو يسرق آدميتهم أو أن يستغل عفاف طفولتهم وبساطة عمرهم. أنهم يتمنون أن يروا قانوناً مكتوباً ملزماً مشرعاً في كتاب ومقرر يدرسونه كمادة للحقوق كرديفتها التربية الوطنية غير قابلة للتحريف والتسويف عبر الآراء الأخرى المجحفة. تعبر عن انسانيتهم الكريمة وطفولتهم البريئة، وهي التي قد منحت من قبل الله عز وجل والتي وهبهم إياها «ولقد كرمنا بني آدم» هذا القانون الذي يهدد ويردع ويعاقب كل من خرج من آدميته اتجاههم بمبادئ القانون وأحكام النظام.

تتمنى هذه الطفولة المظلومة نظاماً معرفياً معلوماتياً دورياً إخبارياً يقوم بتذكير وإرشاد المسؤولين والمسؤولات والمعلمين والمعلمات والآباء والأمهات بحقوقهم عبر الاتفاقيات الحقوقية المنبثقة من الأمم المتحدة التي صادقت عليها السعودية في11 سبتمبر 1995م. وإذا كان أبسط ما تعترف به اتفاقية حقوق الاطفال «الذين لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشر» هو الحق في الحياة، الحق في الحصول على اسم وجنسية، الحق في تلقي الرعاية من والديه، كما تعترف الاتفاقية بحق الطفل بالتعبير عن رأيه، حرية تكوين الجمعيات والتجمع السلمي وحمايته من التنكيل والاستغلال، وأن يتم حماية خصوصياته وألا يتم التعرض لحياته وحقه في الحصول على الضمان الاجتماعي ومنع إعدام الأطفال وغيرها.

وكما يبدو للمشاهد والمتابع لسير الأحداث ومن تواتر الأخبار في المدارس والجامعات أن السير بمقتضى الاتفاقية ما زال صعباً وعسيراً حيث أنها كما يبدو قصيرة في فهمها أو الغوص في محتواها أو بيان أهدافها والتقيد بها. فمازال الكثير من الأبناء لا يستطيعون بل لا يتجرأون بالبوح بمشاكلهم أو مصاعبهم وعليه فإنه من الملزم علينا الابتعاد عن التوهم أو التخيل في ممارسة كامل بنودها وأن نتجاوز المصاعب التي تمنعنا في ممارستها فيها أو عن الظروف التي جعلتنا نتهاون بالعمل بها أو الادعاء اننا قمنا بتطبيقها. الأمر الذي يعد مخيباً للآمال ومجافي للواقع ولحقيقة السير الجاد في تحقيق الأهداف التى ولدت من أجلها.

وعليه فإن النية الصادقة في تطبيقها يعد أمراً مطلوباً ومرغوباً فيه، والعمل الصادق والجاد للسير بمقتضاها أمراً ضرورياً بل يعد واجباً انسانياً وفريضة أخلاقية، وانبثاقاً لعالم متقدم بسبب كونها مركزاً واقياً عن الأمراض الموبوءة، والآلام المزمنة والمخاطر الجسيمة والعقد المستأصلة في حياة من جهلها في كل المجالات التربوية والتعليمية والاجتماعية والعناية الصحية والترفيهية وغيرها لأن في تجاوزها إهمال له في حاضره وإعاقة له في مستقبله.

ما لا يعرفه شبابنا عن حقوقهم يجعلهم لقمة سائغة للاستغلال، ككائن بشري فكيف بالطفولة البريئة التي هي أكثر عرضة للعنف والإساءة والاحباط النفسي والتخلف الدراسي والتفرقة والتمييز. وليس هناك أنكى وأكبر وأشد عمقاً للجراح من الاستغلال الجنسي لهم أو إجبارهم عليه واغتصابهم. كم يسوؤك بل يقض مضجعك أن تسمع «معلماً» وهو الذي جرد هذه الكلمة المقدسة من فحواها أن يستغل طالباً صغيراً يقوم باغتصابه وآخر يلجمه ضرباً حتى يصبح في نادي المعوقين أو مدرس ينعقه بألفاظ تتكرم منها الحروف وآخر يرفع رايات الرعب والارهاب لزمرة من الأطفال وآخر يرسل إشارات اللامبالاة وعدم الاهتمام لمادته ولطلابه حتى يبعثهم آخر إلى الحور العين في جنان الخلد عبر السيارات الملغمة و... و... عليه أليس من الملزم بل من الواجب أن تقوم وزارة التربية والتعليم بإدراج مادة حقوقية في المناهج التعليمية وواجباتهم اتجاهها التي لم يعرفوا منها إلا القراءة والحفظ والضرب والصمت ومن ثم تدريسها كمادة لهم وإلى والديهم. والتي تحمي الطفولة والطلاب من الإساءة الجسدية والنفسية عبر تعليهم دروساً يستطيعون من خلالها التعبير وبحرية مطلقة عن ما يمارس ضدهم من قبل معلميهم والشجاعة في إيصال الشكوى إلى المسئولين عنها لمن أهانهم أو ضربهم وإخبار ولي الأمر عمن تحرش بهم جسدياً وأن إيصال هذه الأخبار هي البطولة والقوة والعزيمة لمن يمارسها ويقوم بها منكم.

لكن أيكفي ذلك... أن من مجرد الاتفاقيات أو إدراج مادة لحقوق الأطفال ' وقد نما إلى سمعي أن ذلك قريباً. ' حتى تعرفهم وتعلمهم بإنسانيتهم الشريفة وطفوليتهم البريئة لن يكون فعالاً إن لم يترجم إلى قوانين حماية وأحكام جزائية تطبق بصرامة على الجميع ولكل مخالفيها إضافة إلى دورات حقوقية، ومناهج مدرجة لطلاب الجامعة حتى تخرج الأفراد من منظومات فكرية قديمة، وأنظمة تربوية متخلفة وأحكام جائرة والتي جعلت الابن ملكاً لوالديه وعبداً لمعلمه وحقيراً أمام الكبير. حتى يهتف أطفالنا وبكل جرأة في كل محفل ومكان وبكل ثقة عن ما لهم وما عليهم ويجبرون من استهان بها على الالتزام بها، ويهتفون وبكل ثقة إنها حقوقي فكم أنا مشتاق إلى مزاولتها والسير بمحتواها إنها حريتي انسانيتي.