آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 1:43 ص

غضوا أبصاركم ترون العجائِب

نجاة آل إبراهيم *

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِن النور /30 - 31

لو اتفق أنك إشتريت آلة جديدة مُعقدة التركيب جداً، ومعها كتالوج فيه التعليمات وطريقة الإستعمال، ولكنك أهملت هذا الكُتيّب ولم تعبأ به، بل وسَخِرت منه وألقيته في القمامة، وعملت بهذه الآلة دون علمٍ ودراية، بل وفق مزاجك وهواك، وحمّلتها مالا تُطيق، فتعطّلت.

عندها سوف تعلم أنك لو طبّقت المعلومات الموجودة في هذا الكتالوج التابع لها لقدّم لك أكبر فائدة مرجوة وأعلى مردود.

هكذا أيضاً نحن بنو البشر، الله سبحانه وتعالى خلقنا وصنعنا وهو محيط بجميع أبعادنا وتركيبتنا الداخلية، وضع لنا أحكاماً وتشريعات وإلتزامات متنوعة تُناسب تركيبتنا السكيولوجية والفسيولوجية، لذلك جعل الله علاقة الأنثى بالذكر وعلاقته بها علاقة محكومة بقواعد وقوانين دقيقة بحيث تُضبَط الحركة الغريزية بينهما لكي تكون هذه العلاقة طبيعية ونظيفة وطاهرة ضمن مبدأ «الحياء والعفة» في شخصيتهما.

من ضمن هذه الأوامر والتشريعات الإلهية التي وضعها الخالق

«غض البصر»

معنى غض البصر هو:

الكف والنقص والخفض والكسر وترك التحديق، بأن يطرق الإنسان ببصره نحو الأرض أو يحوّله إلى جهةٍ أخرى عندما يقع بصره على شيء حرّم الله النظر إليه.

لهذا لم تأمر الآية:

بإغماض العيون، بل أمرت بغض البصر، لأن الإغماض يؤدي إلى عدم مشاهدة الطريق، وهذا ليس هو المطلوب، فالواجب عليه أن يرمي ببصره إلى الأرض أو إلى جانب آخر فَيصدُق عليه القول أنه ”غض من بصره“.

لفتات نورانية:

1 - الخطاب في الآية موجه للمؤمنين والمؤمنات.

وهذا يقودنا إلى فائدة أن الإيمان هو رأس مال سعادة الإنسان، والنظر الى الحرام يضعف الإيمان ويقضي عليه، لأن الإيمان هو الحصن الحصين الذي يعطي الجوارح أوامر بالبعد عن كل ما يخدشه وبالتالي يحميه من الانحرافات.

2 - أن القرآن الكريم لم يحدد الشيء الذي يستوجب غض البصر عنه،

«أي أنه حذف متعلق الفعل» حتى يكون ذلك دليلاً على عموميته، أي غض البصر عن جميع الأشياء التي حرّم الله النظر إليها، ولكن سياق الآية يتحدث عن قضية الحجاب ويقصد فيها النظر الى النساء غير المحارم، وسبب النزول يؤكد أيضا هذا المعنى.

3 - حرف ”مِن“ هنا للتبعيض أي ليس كل النظر للنساء مُحرما، بل صِنف من النساء وهن الأجنبيات اللواتي لايحللن له، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة هو صنف من الرجال الأجانب.

يُعتبر غض البصر اليوم من أشد الأمور التي تحتاج للكثير من الورع والتقوى نظراً لتفشي أشكال المحرمات حول الإنسان في كل مكان.

قال ﷺ:

«مَنْ مَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنْ حَرَامٍ، مَلَأَ اللَّهُ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّارِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ وَ يَرْجِعَ»

وقال ﷺ:

«َاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ ذَاتِ بَعْلٍ مَلأَتْ عَيْنَيْهَا مِنْ غَيْرِ زَوْجِهَا، أَوْ غَيْرِ ذِي رحم مِنْهَا»

السؤال الذي يطرح نفسه

كيف نُعين أنفسنا على غض البصر؟

هل هناك أدوات لتحصين النفس؟

لقد أفاض علينا أهل البيت بما يُضئ لنا دروب الظلام:

1 - ذكر الله «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَنَبِّهْنِي لِذِكْرِكَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ»

قال الإمامُ الصّادقُ :

ما اعتَصَمَ أحَدٌ بمِثلِ ما اعتَصَمَ بِغَضِّ البَصَرِ، فإنّ البَصَرَ لا يَغُضُّ عَن مَحارِمِ اللَّهِ إلّا وقد سَبَقَ إلى‏ قَلبِهِ مُشاهَدَةُ العَظَمَةِ والجَلالِ.

معنى ذلك:

إن من ينظر إلى محارم الله لايزال يمكث في الأرض ويتسافل فيها، وليس في قلبه جلال الله لأنه محروم من هذه المشاهدة.

فإذا استطاع المؤمن أن يُسيطر على عينيه اللتين في رأسه فُتحت عيناه التي في قلبه وشاهد جلال ربه وتجلت له عظمته، فشعّت أنوار البصيرة في وجوده.

فهل نُضحي بالنظر الى خالق الجمال من أجل النظر إلى جمال زائل بالي؟!

وسُئل أمير المؤمنين بما يُستعان على غص البصر فقال:

«بِالْخُمُودِ تَحْتَ سُلْطَانِ الْمُطَّلِعِ عَلَى سِرِّكَ وَ الْعَيْنُ جَاسُوسُ الْقَلْبِ وَ بَرِيدُ الْعَقْلِ فَغُضَّ بَصَرَكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِدِينِكَ وَ يَكْرَهُهُ قَلْبُكَ وَ يُنْكِرُهُ عَقْلُكَ».

جاء في لسان العرب ومجمع البحرين عن معنى كلمة «خمود»:

خَمَدَت‏ النار تَخْمُد خُموداً: سكن لهبها ولم يُطْفأْ جمرها.

كلمة الخمود في هذا المكان فيها من المعنى ما يدلك على المعنى العميق، لأن الإنسان الذي لايغضّ النظر عن الحرام يشتعلُ لهيب الشوق في قلبه، فيحرق إيمانه وصفاء قلبه، ولكن حينما يتذكر الرقابة الربانية لكلّ طرفة عين منه يعود إلى بصيرته وهنا سيسكن اللهيب وتبقى الجمرة وقد سيطر عليها بخموده ”تَحْتَ سُلْطَانِ الْمُطَّلِعِ عَلَى سِرِّكَ“.

2 - الصوم

فهو أداة لقتل الشهوة، وإطفاء جذورها الملتهبة.

قال النبي الأكرم ﷺ:

«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاءٌ»

والمراد بالباءة: النكاح، وأما الوِجاء بكسر الواو فهو كسر الشهوة وقطعها.

3 - حجاب المرأة وعفتها وإخفاء زينتها،

لأنها بالحجاب تُعين الرجل على غض بصره، ولحمايتها هي أيضاً من أي خطر، وخصوصاً أطماع مرضى القُلوب.

3 - محاولة «عدم الخلوة» بين الرجل والمرأة إذا لم يكن ذلك فيه اضطرار كالعمل أو ماشابه.

4 - القوة المعنوية:

الروايات تعطى للمؤمن قوة وشجاعة على مواجهة تلك المناظر والمشاهد، وظيفة الروايات هي هكذا، جعل المؤمن يزداد إيمانا، وإعطاء الدافع، ورفع المعنوية الإيمانية والشُّحنات النورانية عند المؤمن.

فعن الصادق :

”مَنْ نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ غَمَّضَ بَصَرَهُ، لَمْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ بَصَرُهُ حَتَّى يُزَوِّجَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ“.

ولاننسى ماقاله النَّبِيُّ ﷺ:

”إِنَّ النَّظْرَةَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، مَنْ تَرَكَهَا من مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ“

إن التعبير عن النظرة بالسهم المسموم فيه من العمق ما يُذهل الإنسان العاقل حيث أن السهم يأتينا من بعيد وقد لا نرى الرامي وكذلك إبليس لعنه الله فإنه يجعل سهمه المسموم في أعيُننا ويُلذّذ لنا هذه المعصية.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:

«غُضُّوا أبصارَكُم تَرَوُنَّ العجائِب»

العجائب هي ما يُتعجب منه، لأنك لم تعتاد مثله، فأي بشارة أعظم من هذه البشارة؟!

الرسول يبشرنا بقوله إن أغلقنا نافذة البصر عن المحرمات سنرى تشعشع أنوار العجائب، فطوبى لمن أدرك هذه الأنوار.

إضاءة:

ونحن على أعتاب الشهر الفضيل بنفحاته العطرة وفيوضاته المباركة،

تعالوا نجِّدّ ونَجتهد ونتَفنن لنسمو بهذه النفس ونرتقي بها نحو نور الله وفيوضاته، فنتزين بأخلاقه وقيمه وأوامره، ونبتعد عن كل مانهانا عنه وحرّمه علينا.

فها هو رسول الله ﷺ

بخطبته الشعبانية يمهدنا للدخول في هذه الساحة الإلهية الزاخرة بالخيرات والبركات، وحتى تكون مكتسباتنا كبيرة وعظيمة يُنبهنا لعدة أمور منها:

«وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ»

هي بطاقة دعوة من رسول الله صلوات الله عليه وآله للولوج في هذه الساحة القدسية والإلتفاف حول المائدة الربانية لنتزود منها، وخير الزاد التقوى والتي حقيقتها كما يقول الإمام الصادق :

”أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك“.

مسؤولة اللجنة النسائية في جامع الإمام الرضا بصفوى