آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 1:43 ص

الفرصة الثانية

المهندس أمير الصالح *

قال نيلسون مانديلا: ”أنا لا أخسر أبدا أما أن اربح أو أتعلم“. في الإنجاز والمقارنة نحاول أن نسابق أنفسنا ونعقد مقارنة يومنا مع أمسنا وتجنب أن نجلد ذواتنا لأننا بحاجة لشحذ همتها. قراءة الفرص قراءة سليمة تجعل الإنسان أقرب في النجاح لاقتناص الاكثر حظا فيها.

في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة هناك أسطوانة تسمى أسطوانة أبى لبابة ولهذه التسمية قصة. ومختصر القصة هو أن أبي لبابة «رضي الله عنه» أراد التوبة والرجوع إلى الله طلبا لفرصة ثانية لإبراز ولاءه لدينه وإخلاصه لنبي الإسلام وحسن نيته واعراضه التام عما أغضب الله. وبالفعل بعد انقضاء عدة أيام ويقال سبعة أيام وهو محتبس نفسه عند تلك الاسطوانة «عامود» بداخل المسجد النبوي الشريف، اتت تباشير العفو وقبول التوبة واعطاء الفرصة الجديدة له بنزول آية قرآنية «الانفال اية 27/ التوبة اية 102» تخلد ذلك الموقف وتلهم التائبين وتجسد روح إعطاء الفرص الثانية لكن صدق قولا وعملا في توبته.

في وقتنا الحاضر، تزايد منسوب تمرد المراهقين هو أيضا يحتاج لمراجعة في أساليب التعامل والتعاطي معه. لم يعد يجدي نفعا مبرما الإقصاء الكامل أو القطيعة مع المراهق المتمرد أو العاصي. ففي ظل تعرض النشئ الجديد لكم إعلامي ضخم وزخ ماطر من الصور ومقاطع الفيديو عبر النت وفضاء تطبيقات السوشل ميديا والقضاء الإلكتروني المفتوح، يحتاج الوالدين إلى تطوير أدوات التخاطب والتوجيه والنصح واحتضان الأبناء المراهقين من اجل المشاركة الفاعلة في توجيههم نحو الأفضل وخلق شخصياتهم بشكل أحسن.

من الملاحظ انه في مجتمعاتنا الشرق اوسطية لغة التسقيط والتشهير للأشخاص المخطئين تصرفا او فعلا او قولا حتى لمرة واحدة هي السائدة. ولذا نلاحظ ان الاقصاء والنبذ والتطميس والتشنيع هو السائد في المعالجات الإحتقانية ان تصادمت اطراف ضد اطراف داخل المجتمع الواحد. والاشكال الاكثر ان اي من الفريقين لم يتبنى جهود رصينة ومعتد بها في تذليل المصاعب واعطاء الفرصة في خلق تفاهمات تحفظ للود والوصال طريق. بل الادهى والامر ان كلا طرفي التسقيط يتوددون لمن لا يعيرهم وزنا طلبا لوده والتقرب منه!

من المعروف ان الماء السائل يبحث له عن ممر اخر ان سد ممره المعتاد. وهكذا هي العلاقات البشرية، سيحاول من يلفظه مجتمعه بسبب هفوة او جفوة او زلة ان يلتحق بمجتمع آخر حتى لو كان مجتمع يشاهر بالضغينة لمجتمعه الام ومناوئ اخلاقياته وحتى لو كان ذلك المجتمع بعيدا عنه ولا سبيل للاتصال به الا عبر العالم الافتراضي والرقمي.

شهر رمضان محطة زمنية متجددة وباب رحمة فُتح للناس لإعادة ضبط السلوك القويم وتلمس مشاعر المحيطين بنا النبيلة وأحياء المبادرات الجميلة والتعلق بالله العزيز الحنان وبالمجمل فهو شهر اشبه بأسطوانة ابي لبابة «اسطوانة التوبة» لمن اراد العودة لله ولمن يتلمس فرص النجاة وتصيح المسيرة نحو الله. وعلى أبناء المجتمع احتضان بعضهم بعضا لتفويت الفرص على الشيطان وتنمية الفرص لبناء البيت الداخلي الواحد بمتانة أكبر.