آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 9:24 م

ديرة تاروت: إزالتها أم الحفاظ عليها؟

لا أحدَ ينكر أنَّ تقارب الدور وتراصِّها في الأحياءِ القديمة هو انعكاسٌ لتقارب قلوب من عاشوا في ذلك الزَّمان وتعاونهم، فكل دارٍ تتكئ على الأخرى وتسندها، أما الشَّوارع والأزقَّة الضيِّقة فهي دليلٌ على أن المدنيَّة لم تجرّ عرباتها وملوِّثاتها بعد بين تلك الدّور، كما هو الآن في كلِّ مكان. لكن ما العمل إذا الحياة تغيَّرت؟ فلو بقيت تلك الدور كما كانت وإن في جمالها عبرة لما استطعنا العبور نحو الحاضر والمستقبل!

ومع إدراكنا لأهمية التراث والعمارة القديمة في تاريخ المجتمعات ومدى تأثير الماضي في فهم الحاضر، إلا أن بعضًا من ذلك التراث يمكنه أن يذهب ويأتي ما هو أجمل منه، وأكثر ملاءمةً للحاضر. التَّاريخ لا يتوقف، وليست المباني والمساكن استثناءً من تلك القاعدة، مع أنها تملك تاريخًا طويلًا. لذلك نستعرض باختصار مع القارئ الكريم وجهتي نظر من ناظرٍ لذلك التراث بعينٍ مُحِبَّة وبأخرى للمستقبل الذي لا بدَّ منه.

الوجهة الأولى: ماذا لو اشترت هيئةٌ استثماريَّة الأراضي والبيوت المحيطة بقلعةِ تاروت، ومن ثم جرى إزالة أغلبها وإبقاء عيِّنات من العمارةِ الفريدة وتمَّ تطوير المنطقة بصورةٍ حديثة؟ ربّما وجهة نظر لا تتمتع بقابلية في المرَّة الأولى والثَّانية من قراءتها، لهذا يستحسن التَّفكير فيها مليًّا، ثم الحكم عليها. وإذا ما تم تعويض أصحاب المنازل القديمة مبالغ مجزية فهذا حتمًا يساعدهم على شراء منازل أكثر حداثة وقوَّة ومتانة ويسهل الوصول إلى القلعة والأماكن الأثريَّة، وتبقى المنازل الجيِّدة المنتقاة كنوعٍ شاهد على الحقبةِ الماضية ضمن المخطط التطويري، وهذا لا يتعارض مع ضمّ هذا التراث والإرث التاريخيّ في المنظَّمات المحليَّة والعالميَّة والحفاظ عليه.

جزيرة تاروت جميلة وذات موقعٍ جغرافي جيِّد، وتحتاج الى خدماتٍ ضروريَّة واستثمار يدرّ دخلًا على بعض ساكنيها ويعود عليهم بالنَّفع، كما تحتاج إلى خدماتٍ صحيِّة وسياحيَّة وتجاريِّة ومنتزهات تعيد لها بعضًا من مجدها الذي اندثر. والمنطقة القريبة من القلعة - الدِّيرة القديمة - هي بمثابة تلَّة مشرفة على السّوق، ومناسبة لأن تكون واجهةً سياحيَّة بامتياز.

الوجهة الثانية: الحفاظ عليها كما هي وترميمها، وفي نظري لن يطيلَ هذا الجهد في عمرها كثيرًا، ولا يأتي بعائدٍ مادّي من نشاطٍ سياحيّ أو تجاريّ أو نفعيّ على الجزيرة سوى الشّهرة والزِّيارات السِّياحيِّة في الأجواءِ المعتدلة والمناسبة!

قبل اعتماد خيارٍ دون الآخر، باستطاعة من له القرار أن يلحظ الفائدة من كليهما والصعوبات والأضرار المحتملة ثم يقرر الأنسب، وربَّما القرار الأبعد من التفكير والأقل جاذبيَّة - الآن - هو الأصوب على المدى البعيد!

مستشار أعلى هندسة بترول