آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 9:24 م

حينما يكون الأمي اعلم من المثقف

سراج علي أبو السعود *

لم اكن مضطرا في ذات الوقت للرد على احد الأخوة الأعزاء حينما ذكر فيما ذكر في حديثه ان المجتمع يعيش حالة من الوعي أسهم في تحققها العلم بمصادره الكثيرة التي لم تكن موجودة في عهدٍ مضى، هذا الأمر منحه الاطمئنان تماماً والثقة بانَّنا نسير إلى حيث نتمنى من الرقي العلمي والثقافي واللذينِ هما بلا شك من اهم علامات النهضة، ولا شك ان العلماء والمثقفين هم البناة الحقيقيون للمجتمع غير انَّ هؤلاء أحيانا ومن حيث لا يشعرون يسهمون بطريقة أو باخرى في زيادة التخلف الموجود في المجتمع ليكونوا بالنتيجة معاول هدم، حديثي هنا حول الثقافة الايجابية والسلبية ودورها في المجتمع.

يقع الصفر في وسط خط الإعداد، وهناك على يمينه الاعداد الموجبة وعلى يساره السالبة، يقول تعالى: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا»، والآية الكريمة تشير إلى نقطة الصفر العلمية التي يكون عليها الإنسان حين الولادة، وبواسطة العقل يكتسب الإنسان العلوم والثقافات المختلفة، ليرتقي درجات بالنسبة لنقطة الصفر الأولى، غير ان هذا التحرك قد لا يكون بالضرورة بالاتجاه الموجب وهو الرقي العلمي أو الثقافي، فربما بذل وسعه في التحصيل غير انَّه تسافل ولم يزل كذلك في درجات الجهل.

وكلما بذل وسعه في التعلم والقراءة كان أكثر جهلاً من ذي قبل، كل ذلك يعود إلى جهل مصدر العلم وعدم منطقيته او تطفله على ما لم يتعلمه او يعيه وما اكثر هؤلاء، كل ذلك يؤدي بالنتيجة الى امتلاء مؤلفاته ومحاضراته بالأخطاء والمغالطات الكثيرة ليكون هذا الإنتاج الفكري سببا في المزيد من تدني القرَّاء والسير بهم إلى الوراء، يقضي هذا الساعي للثقافة عمره ليصل الخمسين والستين والسبعين عاما والنشوة تبدو دائما على محياه وهو يتحدث بثقة ليحلل ويرجح ويحدد ما ينبغي وما لا ينبغي بناءً على حصيلة جهد كبير في القراءة والإطلاع.

غير أنها لم تكسبه إلا درجات عميقة من الجهل اصبح على اثرها أكثر دنوا من أميِّ الثقافة والذي هو كالصفر لا له من علمٍ ولا عليه، هذا التسافل في درجات الجهل وبسبب اعتقاد صاحبه انه على عكس ذلك يجعل عنوان «الجهل المركب» ينطبق عليه، ففي الوقت الذي هو جاهل، فجهله بجهله يجعله يظن انه عالم، وهذا الاعتقاد يجعله متأكدا ان مسؤوليةً جسيمةً معلَّقةً عليه، وهي مسؤولية تنوير المجتمع والسعي في تصحيحه، الأمر الذي يدفعه لمحاربة ما هو صحيح وينبغي المحافظة عليه بصفته موردا للتخلف، والسعي في نشر الأفكار التنويرية حسب ظنه فيما هي واقعا أفكار هدَّامة، فيكون دور هذا المثقف دورا سلبيا جداً بل يكون حجر عثرة في طريق إصلاح المجتمع وتنميته.

ان الجهل المركب لدى شريحة من المثقفين كان ولا زال سببا في الضوضاء في المجتمع، هدفهم نبيل وهو الإصلاح غير ان سنوات من الانحدار في درجات الجهل جعلهم لا يستطيعون ان يتصوروا انَّ شيئا لا يفقهوه، فيُدخلون انفسهم في كل شيء، بل ويسقطون أعمدة العلم بكلام وحجج سخيفة بالية تضحك الثكلى، وما إن تبدأ الحوار معهم حتى تزداد عصبيتهم جداً فيرمونك بكلمات وتهم كثيرة أيسرها التشدد واللامنطقية وعدم القدرة على الاستيعاب في حين كانوا هم الأولى بما يصفون به غيرهم.

العلماء الحقيقيون ومن باب مسؤوليتهم يبادرون لإرشاد الناس، يرشدونهم ان فلانا من مدعي الفكر هو على عكس ذلك، ان فلان من مدعي العلم هو على عكس ذلك، ويوردون في هذا السياق أدلة كثيرة، كل ذلك من اجل ان لا يتسافل المجتمع ويسير باتجاه المزيد من الجهل والتخلف، وعلى عكس هؤلاء العلماء تجد مدعي العلم يمارسون العكس تماماً حيث يروجون للناس أهلية فلان وفلان للقراءة والاطلاع، فلان مفكر، فلان عالم، فلان وفلان وفلان، ولان نتاجهم ضعيف ومتهالك فانَّ النتيجة الطبيعية هي فساد الذوق واختلال الموازين، حينها يُهاجم صفوة العلماء الحقيقيين، يوصفوا بشتى الأوصاف القبيحة، كل ذلك من مثقفٍ لم يكلف نفسه حتى عناء النظر فيما يسوقه هؤلاء العلماء الاجلاء من أدلة وبراهين محكمة، فيقطع بذلك سبيل المعروف ويصد عن طريق الخير.

إنَّ الإنسان ينبغي ان يكون فطنا بذلك المقدار الذي يجعله يعرف مِنْ مَنْ ينبغي ان ياخذ علمه وثقافته، ودون ان يكون كذلك قد ينزلق في مزالق الجهلة لينحدر يوما بعد يوم في درجات التخلف وهو يظن انه عكس ذلك،،

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
Alawi
[ Saudi Arabia ]: 1 / 6 / 2013م - 12:21 م
أحسنت عزيزي سراج ...

ولكن (يا ليت قومي يعلمون)

موفقين ان شاء الله.
2
أبو يامن
[ القطيف ]: 1 / 6 / 2013م - 3:48 م
الأمية يا أستاذ سراج تصل أعلى مراحلها حينما يحمل علماء الدين والمراجع سلطة لا حق لهم فيها، ليصبحوا أصحاب أمرٍ هم أيضاً لا حق فيه. وهذا هو الحال الذي نعاني منه في القطيف. وحامل بعض علوم دينه أجهل من حامل علوم الدنيا يا أستاذ سراج.
3
سراج أبو السعود
[ القطيف ]: 3 / 6 / 2013م - 3:45 ص
عزيزي أبو يامن
كلامك سالب بانتفاء الموضوع، لا يوجد لدينا مراجع بالوصف الذي تذكره
4
هاجر
[ القطيف ]: 16 / 6 / 2013م - 4:46 م
سيدي الكاتب ..
انت قد اعددت لنا وليمه مقدسة مباركه تجتاحها كل النكهات وقد استكملت جمالها في شامل صورها و انا اشد على يدك سيدي الكاتب من اين لا يكون الجهل مدرسة متوارثة وناميه لطالما تستهوينا الاسماء وتستفزنا المناصب دون حقائق العمل .
كم لدينا ممن يوظفون اقلامهم المبدعه لكتابة اجمل العبارات و ابلغ الكلمات و ارقى الافكار وهم ابعدهم من التطبيق و اقربهم للهوان زلفى .
عصبة من بسطاء لانعيرهم اهتماما خيرا من الف قلم يكتب فيما ﻻ يشبهه وﻻ يؤمن به اﻻ كي يقاسم الناس موائد عطائهم و حبهم و وﻻئهم و له الف وجه يشكله بكل الطرقليكون البريء والعالم والفصيح و المبدع والمفكر ..
لك مني كل تحيه وتقبل رأيي البسيط .