آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 3:44 م

المكتبة المنزلية في كلمة للإمام الحسن

حسن آل حمادة *

ضمن حديثي عن المكتبة المنزلية، في كتابات سابقة، أحببت أن ألفت نظر القارئ إلى أن أهل البيت لم تخلُ كلماتهم الراقية عن الإشارة لهذا الجانب الهام في حياة الإنسان. ومن تلك الكلمات التي طالما رددتها كلمة للإمام الحسن بن علي «عليهما السلام»، وقد قالها بعد أن جمع بنيه وبني أخيه ذات يومٍ؛ فقال لهم: «إنكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار قومٍ آخرين؛ فتعلموا العلم، فمن لم يستطع أن يحفظه منكم فليكتبه وليضعه في بيته» [1] .

من خلال هذه المقولة نستطيع الخروج بعدة حقائق، ومنها:

1 - التعلم:

فالإمام الحسن يأمرهم - ويأمرنا - بقوله: «تعلموا العلم»، وهل توجد طريقة للتعلم ولا يكون الكتاب عماداً لها؟ فهذه الكلمة تنسجم مع قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿اقرأ، فكيف سيقرأ الفرد إن لم يكن يمتلك مكتبة ملائمة لاختصاصه وميوله وتوجهاته؟ فمن خلال القراءة الواعية، التي تنشد الدراية لا الرواية، ومن خلال الدراسة الجادة، تتحقق الأهداف الكبرى لهذه المفردة الحسنية.

ولا يخفى أن الإمام الحسن لم يخصص في كلمته هذه علماً معيناً، وما نستشفه؛ أنها دعوة لتعلم العلوم النافعة دنيوياً وأخروياً. إذاً فالمطلوب أن يتجه الأطفال وهم في سن صغيرة لتعلم العلوم النافعة. فالأطفال الذين يتعلمون في سن مبكرة ينتظرهم مستقبل علمي مشرق.

يذكر الدكتور حسن مرضي حسن في كتابه «النهج الجديد في تعليم الأطفال الصغار: القراءة» تحت عنوان «أساطير حول تعليم الطفل الصغير القراءة في وقت مبكر»: «من أهم هذه الأساطير القول إن الأطفال الذين يقرأون في سن مبكرة يعانون من مشاكل تعليمية في وقت لاحق. وبالطبع، فإن القائلين بهذه الأسطورة يعجزون عن إعطاء مثال واحد أو دليل واحد عليها. وليس هناك بين الأطفال الذين درسهم الباحثون مثال واحد يؤكد صحة هذا الافتراض، وإنما تميل الأغلبية الساحقة من الأمثلة إلى تأكيد العكس»[2] .

ثم.. هل من الصحيح أن نتجاوز التجارب العلمية الكثيرة، التي قام بها عدد كبير من العلماء لاختبار قدرات الأطفال في التعلُّم المبكر، وقد أثبتت صحة ما يذهبون إليه من أن الطفل بإمكانه أن يتعلم القراءة والكتابة والعمليات الحسابية كالطرح والقسمة.. إضافة لإمكان إتقانه لأكثر من لغة واحدة، خصوصاً في سني حياته الأولى التي تسبق الدراسة؟!

وقد جاء في الأثر «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»[3] ، ولعل ذلك يؤكد ما ذهب إليه العلماء من القول بإمكان تعليم الطفل قبل السن المعتادة للدراسة، خلافاً لما يتصوره البعض من أن الطفل لا يمكنه أن يتعلم قبل سن السادسة، حيث أن التعليم الرسمي يبدأ من هذه السن في كثير من الدول[4] .

2 - الكتابة:

بعد أن أوصاهم الإمام بالتعلم؛ وجه لهم نصيحته الأخرى وهي كتابة العلم، وكلمته هذه تأتي لتؤكد مقولة الرسول الأكرم ﷺ: «قيدوا العلم بالكتاب»[5] ، إذ من الصعوبة بمكان أن يحفظ الإنسان جميع العلوم التي قد درسها، فلا سبيل له إلاَّ أن يكتبها حتى تستقر في ذهنه؛ فـ«لن تحفظوا حتّى تكتبوا»[6] ، كما روي عن الإمام الصادق ، و«ما كتب قَّر، وما حفظ فَّر».

فالإمام يوصيهم هنا بضرورة الكتابة، حيث كان الناس في عصره يحصلون على الكتاب والعلم النافع، عن طريق قيامهم بنسخه بأيديهم، أو بأيدي من يمتهن هذه المهنة. ونحن في هذا العصر أحوج ما نكون للالتزام بهذا الأمر الذي جاءنا عن طريق إمام جَسَّد القرآن الكريم بسلوكه وأقواله؛ فأضحى قرآناً يمشي على الأرض.

3 - تدشين المكتبة المنزلية:

النتيجة النهائية لكلمة الإمام الحسن هي حثه وتشجيعه الواضح على تدشين المكتبة المنزلية؛ فبعد أن يبدأ الإنسان بالتعلم، ويحرص على كتابة العلم النافع - كما أوصى الإمام -، لم يبقَ أمامه إلاَّ الاحتفاظ بما كتب في منزله، وبهذا يكون قد خطا الخطوة الأولى نحو إنشاء المكتبة المنزلية.

إذاً، نحن مطالبون - كما ألمح الإمام الحسن - بالتعلم، وكتابة ما تعلمناه، والاحتفاظ به في البيت. وعندما نتكلم بلغة هذا العصر، نقول: إننا بحاجة ماسة للتعلم؛ إذ ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر: 9]، وسبيلنا المتاح للتعلم هو اقتناء الكتاب الذي سهلت عملية الحصول عليه، سواء عن طريق شرائه مطبوعاً أو عن طريق الحصول عليه بواسطة الإنترنت وهي أسهل طريقة في هذا العصر. وبهذه الخطوات نحقق ما أوصانا به إمامنا ، وتصبح المكتبة المنزلية حقيقة ماثلة بين أيدينا.

بقي عليَّ الإشارة إلى ضرورة الانتفاع بما نتعلمه بواسطة المكتبة المنزلية أو غيرها، فقد روي عن الإمام الحسن أنه قال: «يدخُلُ النار قومٌ فيقول لهم أهلُها: ما بالُكُمُ ابتُليتُم حتى صرنا نرحمُكمُ مع ما نحن فيه؟ فقالوا: يا قومُ، جعل اللهُ في أجوافنا علماً فلم ننتفع به نحنُ، ولا نفعنا به غيرنا»[8] .

[1]  السيد حسن الشيرازي،. كلمة الإمام الحسن ، ط5، «بيروت: هيئة محمد الأمين، 1421هـ». ص 239.
[2]  حسن مرضي حسن. النهج الجديد في تعليم الأطفال الصغار: القراءة، ط1، «Pioneer House ltd London - Dubai، بيروت: دار الفكر، د. ت». ص 75 - 76.
[3]  علي بن إبراهيم القمي. تفسير القمي، مج2، ط1، «بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1991م». ص 401.
[4]  حسن آل حمادة. التعليم المبكر للأطفال، مجلة «العربي» الكويتية، ع: 458، «شعبان، 1417هـ». ص 5.
[5]  محمد الريشهري. ميزان الحكمة. مج6، ط2، «بيروت: مؤسسة دار الحديث، 1419هـ». ص 2663.
[6]  نفس المصدر، ونفس الصفحة.
[7]  محمد الريشهري. مصدر سابق، ص 2662.
كاتب سعودي «القطيف».