آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 8:29 م

صورة واحدة..!

صديقة الخويلدي

حين سقط أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صريعا في محراب سجوده.. بالجريمة الغادرة التي نفذها الارهابي عبدالرحمن بن ملجم.. تساءل أحد الشاميين الذين عبث الاعلام بوعيهم: وهل علي يصلي؟

لم يكن هذا السؤال الساذج مزيجا من التعجب والاستنكار وحسب! بل هو استفهام باحث عن حقيقة ظلت مغيبة ومشوهة ومضللة عن عمد لسنوات بفعل حملة اعلامية تضليلية قادتها السلطة وعلماء البلاط ووعاظ السلاطين.. كان نتيجتها تكفير خليفة رسول الله علي بن أبي طالب وتصويره بأنه لا يصلي!

فكانت الجريمة الارهابية التي حدثت في بيت الله، في لحظة تجلي العبودية المطلقة لله كاشفة عن وجه الشمس بما لا يبقي لسائل سؤالا..

لقد نجح الإعلام في تزييف وغسل أدمغة جماعة لم تتح لها الوسائل المتواضعة يومها أن تسمع وتتلقى الفكر إلا من قناة واحدة.. هي قناة السلطة بما اشترته من ذمم الوعاظ وأشباه المتدينين وبما ضخته من آلاف الروايات المكذوبة كانت عصب العقيدة لدى البسطاء.. في مقابل الحظر الشديد لأي معلومة تخالف أو تناقض ما أرادته السلطة أن يصل إلى الناس.

هؤلاء المغيبون عن الحق رغما عنهم كانوا بحاجة الى صدمة بحجم استشهاد أمير المؤمنين ليدركوا أن ما ابتنى عليه وعيهم سنينا.. ما هو الا وهم زرعته السياسة في عقولهم.

ذاك الإعلام هو ذاته المحرض اليوم بالعباءة نفسها وبالشمائل ذاتها وبالغرض عينه.. بأدوات حديثة وبقنوات لا تكاد تحصى.. يتمترس خلف سلطة تدعمه وتوجه دفته حيث اقتضته خارطة المرحلة.

وهو ذات الإعلام الذي يشوه ويضلل ويحرف الحقائق ويضخ في اتباعه ما طاب له من وقود الشحن المذهبي والتعبئة الطائفية ورفض المختلف مستندا على ما أفرزته مخيلة الاسلاف من وعاظ البلاط.. وفي مغازلة خفية بين السياسة وأشباه المتدينين مرة أخرى.

منظومة ضخمة معادية للآخر وحشد فكري عقائدي مضاد يبدأ من مناهج الدراسة ذات اللون المذهبي الأوحد، مرورا بفتاوى التكفير والتنجيس، ومؤتمرات الاقصاء والفرز الطائفي، عروجا بصحف الشتائم والقذف والتخوين، ونشرات الدعوة إلى جهاد المشركين، وفضاء مفتوح بلا قيود يستبيح دماء المسلمين المخالفين وأعراضهم ويفترضها صيدا لمن أراد عناق الحور العين.

لينتهي الأمر أخيرا بأحزمة مفخخة ناسفة كنتيجة طبيعية لتفخيخ العقول الساذجة والبسيطة والمغيبة عن الواقع.

الواقع الذي حجبه تكميم الأفواه وتقليص الحريات وحظر كل ما يتناقض أو لا ينسجم مع مذهب أوحدي معين.

ورغم أن الوصول للحقيقة اليوم لا يتطلب أكثر من التجرد والنزوع الى الفطرة الانسانية السليمة.

إلا أن غبش التضليل يأبى إلا أن يكون هو الفيصل.

غبش يحرم قاتلا من رؤية الضحايا ركعا سجدا يهتفون الله أكبر.. ليكمل فصول جريمته في من توهم أنهم مشركون.

أليست هي ذات الصورة؟

هل هناك حكمة من أن يستشهد كل هؤلاء المتهمون بالشرك في بيوت الله بل وفي حال الصلاة؟

لقد عمدت القنوات المضللة على تصوير الشيعة بأنهم مشركون يعبدون الأصنام ويمارسون الرذيلة - والعياذ بالله - في دور العبادة.

فهل أبقت كاميرات المساجد التي وثقت جرائم التفجير أي أسئلة في قلب متشكك؟

إن ما كان مخفيا ومغيبا لسنوات طويلة عن طائفة كبيرة من المسلمين.. وما كان يبدو أنه منطقة محرمة لدى بعضهم لا يجوز له ولا لغيره المضحوك عليهم كشف الغطاء عنها.. أبى الله إلا أن يكشفه.

لكن بثمن لم يكن رخيصا أبدا.

تماما كما أن دماء علي في محراب الصلاة هزت وعيا مخدرا.

هكذا تفعل دماء شهداء محاريب الصلاة.. تفجر وعيا.. وتكشف عورة الاعلام الصنمي والمخدر.

لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح هنا هو:

كيف يحق لقنوات التضليل والتكفير والفتنة الطائفية أن تستبيح وعي أمة بأكملها.. دونما مواجهة حازمة من عقلائها؟

لا يمكن التعويل حتما على اقفال وتجفيف منابع الاعلام المضلل والمحرض على الرغم من أهمية اتخاذ هذه الخطوة لحماية نسيج الأوطان.. فقرار كهذا تحكمه السياسة.. قد يطول انتظاره.

وإن من البساطة القول أن ما ارتكبته داعش وامهاتها وأخواتها من مخلفات التكفير هو لبث الفرقة والفتنة.. إن ما يجري هو عقيدة نابتة في لا وعي القتلة.

وإن التخلص من تبعات أدلجة القتل والتكفير واقصاء الآخر المغروسة لعدة قرون في فكر الملايين من المسلمين لن يكون سهلا أبدا.. بل يحتاج أضعافها من السنون.

التعويل الحقيقي إذن على وعي الشعوب نفسها.. فليس هناك من يمكنه أن يصادر حقك في الوعي والفهم والتفكير.

عقلك ملكك وقناعاتك بنات عقلك لا يملك أحد زرعها في وجدانك ما لم تفسح له المجال.

وإن أفضل سلاح لمحاصرة هذا الحشد العقائدي المنحرف ونسفه.. هو ضخ أضعاف أضعافه من الوعي السليم والفكر الراشد النير في نسيج المجتمعات المسلمة.. بأرقى وأحدث الوسائل.

إذ لا ينبغي لنا أن ننتظر الأحزمة الناسفة وأشلاء الشهداء على جدران مساجدنا.

لترفع عنا الخدر.. وتنقل وعينا إلى المستوى اللائق والمطلوب.