آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 9:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

رسالة من مريض نفسي إلى وزير العمل والتنمية الاجتماعية

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

أفردت زاويتي الإسبوعية لمريض نفسي راسلني لأصل بمطالبهم كمرضى عقليين للمجتمع والمسؤولين، بين حاجتهم للعلاج والاستمرارية على الدواء، وافتقادهم للضمان الاجتماعي والدعم المجتمعي، والخوف منهم واعتزالهم، ورغبتهم بالاعتماد على أنفسهم حتى لا يكونوا عالة على أحد.

الاكتئاب ليس نقصا بالدين، وإنما هو صعوبة التعامل مع مجريات يومك الاعتيادية.

هل تتعب عينك عندما تقرأ في ضوء خافت، هل تتذوق الطعام بتلذذ بدون ملح. عندما تصاب بمرض الاكتئاب تتحول روحك إلى نبتة جافة يابسة هشة كالنخلة التي ماتت من الداخل لكنها صامدة في شموخها رغما عن خوائها.

معاناتنا ليست فقط في ما نحسه بدواخلنا ولكن بعدم استيعاب المحيطين لنا لما نعانيه من ألم حتى ينتهي بنا الحال لاعتزالهم، والصراخ بصمت من شدة الألم الذي لا يرونه ولا يحسونه، فالاكتئاب شواهده غير ظاهرة كالأمراض العضوية.

هناك وحش مبهم المعالم يحسسنا بالنقص والخزي والعار، أحس بتأنيب الضمير تجاه من يحبوني وأقسو عليهم أو أعتزلهم حتى لا يتألموا معي، لا أستطيع الخروج من هذه الدوامة التي تسحبني للعمق، تتكرر فيها أحداث حياتي كشريط ممل فاقد للمعاني، وأرى فيها مستقبلا مظلما بدون أمل للخلاص من آلامي.

حينها فقدت جاذبيتي، ملابسي رثة، لا أهتم بنظافتي ورائحتي، لا أستطيع النوم، عيناي حمراوان منتفختان من أثر السهاد والبكاء، أحس أني أغرق وروحي تختنق، أضرب على صدري علي أنعش قلبي الدامي.

أهملت دراستي، وتخرجت بصعوبة وقد توظفت لكني أجد صعوبة في القيام من فراشي والذهاب لعملي وكسب قوتي، لست كسولا، أنا متعب من الداخل، ولا أستطيع إنقاذ نفسي.

تأثرت عباداتي، أتألم لإهمال الفرائض، هم يعتقدون أن ما أعانيه من ضعف الإيمان، لا ليس كذلك، ما أحسه من ضيق هو كالشيطان يبعدني عن الله.

أهرب من معاناتي إلى فراشي، يعتقدون أني في سبات، لكني أخفي دموعي وأعيش بخيالات حزينة تنسيني واقعي.

كانوا يعتقدون بأنني محسود، داووني بالرقية والصدقة، وعندما لم أتحسن حاولوا إخراج المس بداخلي، كان من الصعب على أسرتي ومن حولي تقبل تشخيصي بمرض نفسي، بل وأن ما أعاني منه هو سلسلة من أمراض نفسية توارثتها عائلتي مع إنكارهم لذلك.

لعلي محظوظا أنه أتيحت لي فرص العلاج والاطلاع على مرضي، بدأت في العلاج ولاحظت تأثيره في تحسن مزاجي، عدت لدراستي تخرجت، وعملت، صرت أهتم بمظهري، لكن ما زلت أحمل وصمة اجتماعية تجعلني في خوف من أن يكتشف مديري وزملائي مرضي. لا أستطيع أن أغش إنسانة بدون كشف معاناتي وحاجتي الدائمة للعلاج.

أرسلت لك يادكتورة ليس لطلب المساعدة فأنا أتعالج الآن ويتوفر لي العلاج مجانا في مستشفيات الدولة ويعالجني أفضل الأطباء.

لكني أطمع في أن يلتفت للأمراض النفسية والعقلية؛ للتعامل معنا كمرضى الإعاقة، نحن بحاجة لدعم من الجهات ذات العلاقة يساعدنا على الاعتماد على أنفسنا، وأننا مرضى ولسنا كسالى، وأن يسهل توظيفنا في أماكن تتناسب مع مشاكلنا لا تعرضنا لضغوط عمل قد تتسبب في نوبات محرجة.

نحن كمرضى عقليين تحت خطر فقد الوظيفة والبطالة وصعوبة إعالة أنفسنا وعائلاتنا وهذا الضغط يفاقم من مشكلتنا.

ولنا رغبات وقادرون على الزواج والاستقرار مثلنا مثل باقي البشر، والاعتماد على أنفسنا ولا نرغب بأن نكون محط الشفقة أو اعتزالنا، مع الدواء نتحسن ولكن لنا ظروفنا الخاصة.

بحاجة لتفهمكم واحتوائكم وأن نحظى بالفرص التي منحتها حكومتنا الرشيدة للمرضى الذي يعيقهم المرض حتى يتحفز أرباب العمل على توظيفنا وتحمل ظروفنا وأن يشملنا النظام لنتساوى مع ذوي الإعاقة.

مديرة إدارة التوعية الصحية في صحة الرياض- استشارية طب أسرة، أخصائية صحة عامة وإدارة الأنظمة الصحية وإدارة الجودة