آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 12:04 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الأفق الغائب في لبنان والعراق!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

المبتهجون بالتظاهرات في العراق ولبنان كثر، والمتوجسون كثر أيضاً.

كلا الفريقين ينطلق من موقف ذاتي، رغبوي ربما، أو أمل هنا، وقلق هناك.

جماهير حانقة تريد التغيير، دون أن تهتدي سبيلاً إليه. وسياسيون حاكمون يصرون على التشبث بمناصبهم، دون المقدرة على تقديم حلول مرنة وعملية.

لغة التواصل مفقودة، والحوار مقطوع، والثقة معدومة بين الضفتين. الريبة، الترقب، انتظار اللحظة.. ورائحة الدم والموت والمجهول، هو ما يصطبغ به الأفق!.

الممتطون ظهر المجن، هم الآن السادة المتسللون خلسة!. الباحثون عن المغانم، والمصطادون بأقواس لا تخطئ أهدافها. المطلقون الفيلة لتتصارع، وتدمي بعضها بعضاً، فيما هم يحتسون أقداحهم، مقهقين، ينثرون الدخان بعد ابتلاعه عميقاً، ومضع أعقاب السجائر.

لن يكون الطريق إلى الحرية والعدالة الاجتماعية مفروشاً بالسجاد العجمي. الشوك صاخب ومدمٍ. والألغام تنفجر كل ساعة منذرة ببتر الأقدام. وأرباب الأحزاب وسدنتها، لن يرخوا العنان لبضع صبية يهتفون. الذهب له بريقه، والسلاح له نشوته، والنفوذ يغلق عيني صاحبه بطين رطب، لا يلبث أن يكون سداً يصم العقول والأفهام!.

هنالك لحظة عاطفية في العراق ولبنان، توحي بشيء من الأمل: أن الشعبين باتا على درجة عالية من السأم والقرف من الطبقة السياسية بمختلف أطيافها. وأنهم أخيراً استفاقوا شيئاً ما، ليدركوا أن الطوائف ما هي إلا «حبالُ مشانق» علقوا عليها سنوات، وسنوات.

الجماهير أيضاً، اعتلى صوتها في وجه الفساد والمحاصصة وغياب التقدير، وشيوع الاستخدام الفج الممتهن للفرد، من أجل رفاهية الزعيم وديمومة الحزب والطائفة. أو كقربان للقوى الخارجية، ولعبة الأمم المنبسطة على طول الشرق الأوسط المتخم بكوابيسه.

هذا الوعي النسبي، معرض للتشويه، للذهاب مع أقرب ريح، بسبب غياب المشروع السياسي والرؤية الواقعية للأحداث، وإدراك مدى خطورة السم المسكوب في نهر البلدين اللذين لم يستطيعا

تقديم شيء إضافي. هما الآن في مرحلة دفاع عن الوجود. فجميع السياسيين يعون أن التراجع هو ببساطة: ذهاب إلى سرير الراحة الأبدي، وتذكرة عبور إلى النسيان.

هم اليوم سيعاندون، ويقاومون: بالحيلة، والترغيب، والترهيب، والدم، والرصاص، والمال.. وحتى آخر طلقة أو فكرة.

اليوتوبيا لا تغريني كثيراً. والأحلام الكبرى قد تكون جميلة في قصص العشق، وجلسات الأنس. إنما في السياسة، الواقعية وأوراق القوة، والتموضع الصحيح، والصبر، والحكمة، وبعد النظر.. أدوات رئيسة لا يمكن أن تنجح أي حركة إصلاح وتغيير دونها.

الغاضبون في لبنان والعراق، عليهم أن يحولوا عواطفهم الجياشة إلى مشروعات عملية، برامج سياسية، وخطط مستقبلية، يقدمونها كبديل عن السلطة السياسية الحاكمة. لكي يقنعوا إخوتهم في الوطن أولاً، ويبدون كشريك حقيقي لدول الجوار والمجتمع الدولي ثانياً، وليحضروا أنفسهم لصناعة شخصيات سياسية وإدارية قادرة على المساهمة في بناء دولة المؤسسات والقانون. تلك الدولة المدنية التي تشيدها العقول، وليس مجرد النيات الطيبة، وحسب!.