آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 1:43 ص

مسيحيٌ يُسعف مسلمًا

محمد يوسف آل مال الله *

في أحد الأيام من العام 1987 م في الولايات المتحدة الأمريكية جاءني زميلي وصديقي من الأخوة العراقيين واسمه علي ابراهيم، حفيد المرجع الأعلى آية الله الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء «قدس» وطلب منّي مرافقته ومساعدته حيث تعطّلت سيارته على الطريق السريع وما كان منّي إلّا الاستجابة لطلبه. صديقي علي ورغم أخلاقه العالية ودماثة خلقه إلّا أنّه لا يشعر بالراحة أو السعادة في حضور الأمريكيين، بل لا يحبذ صداقتهم أو التحدّث إليهم حتى داخل الحرم الجامعي ويرى أنّهم وراء دمار وتعاسة العراق، بل تعاسة ودمار الدول العربية والإسلامية.

كم من المرات تحدّثنا عن هذا الموضوع وأنّ الشعب الأمريكي لا ناقة له ولا جمل فيما تقوم به حكومتهم، فالغالبية العظمى من الشعب الأمريكي لا يعرفون عن العراق ولا غير العراق سوى ما يرون ويسمعون من خلال إعلامهم المُضَلِل الذي يُصنع لهم وهو مصرٌّ على موقفه منهم.

توجهنا إلى حيث كانت سيارته متوقفة وقد كان الجو ممطرًا وما أن وصلنا حتى ازداد هطول الأمطار لدرجة لم نعد قادرين على الوقوف والعمل على تبديل سير الماكينة الذي انقطع خلال قيادته للسيارة في اليوم السابق حيث توقفت. لم نعر المطر اهتمامًا بقدر ما كنّا جادين في تبديل سيرالماكينة وأخذ السيارة إلى مدينة ميري ڤيل بولاية ميزوزي حيث نقيم.

في هذا الجو الممطر وهذه المحاولات البائسة وإذا نلحظ بشاحنة صغيرة تقطع الطريق من الجانب الآخر وتتوجه نحونا. في البداية اعتقدنا أنّها سيارة تابعة لمرور الولاية وأنّ الشرطة قادمة لتحرير مخالفة مرورية لنا. ما أن وصلت تلك الشاحنة الصغيرة حتى ترجّل منها رجل في العقد الخامس من العمر.

وصل إلينا وألقى علينا التحية وعرّفنا ياسمه وقال اسمه مايك ويعمل ميكانيكيًا ويستطيع مساعدتنا وإصلاح السيارة ولديه كل ما يحتاج من عدة وأدوات، ما يثبت صحة كلامه. لم يتردد صديقي علي في الموافقة وبينما هو يصلح السيارة كان يتحدث معنا عن الجو والأمطار وكيف أنّ التعطّل في مثل هذا الجو مخيّب للآمال وكذلك العمل متعبًا وشاقًا. لم يسألنا عن جنسيتنا أو ديننا أو وجهتنا أو عن أي من خصوصيّاتنا، بل نحن مَنْ أخبره عن جنسياتنا.

روي عن الإمام الصادق أنّه قال: ”ثلاثة لا ينبغي لأحد أن يسأل المرء عنهم؛ ذهبه وذهابه ومذهبه“، وهذا ما لمسناه من مايك، فقط ابتسم وقال.. كلّنا أناس، الجنسيات لا تعني لي شيئًا، يكفي أنًكما وثقتما بي وسمحتما لي بمساعدتكما، وهذا شرف لي.

أصلح السيارة في أقل من نصف ساعة ونصحنا بأن نأخذها إلى أقرب ورشة إصلاح للسيارات في مدينة ميري ڤيل لوزن ضغطها وسرعة المحرّك حتى لا ينقطع السير مرة ثانية وأكد لنا أنّها ستوصلنا بسلام ولكن يجب عدم ترك السيارة بدون ميزان الضغط وضبط سرعة المحرّك.

بعد أن أنهى مايك عمله، بدأ علي بالحديث معي عن الأجرة التي نعرضها عليه قبال عمله. أخبرته أننا لم نطلب منه المساعدة وبرغم أنّ أجرة إصلاح السيارات باهض جدًا وأي مبلغ لا يزيد عن خمسين دولارًا يكفي. فتح علي محفظته ليخرج منها المبلغ وإذا بمايك يسأله... ماذا تصنع؟

أجابه علي وهو قلق... أريد أن أدفع لك مبلغًا من المال قبال عملك!!

ابتسم مايك وقال... لو رأيتني متعطّلًا في الطريق هل ستقف لتساعدني؟

أجاب علي في ذهول... بالتأكيد وهذا من الأخلاق.

ردّ عليه مايك قائلًا... وهذه هي أخلاقي، أساعد الآخرين حتى إذا احتجت مساعدتهم يوما ما يساعدونني. أنتم لم تطلبوا منّي المساعدة، بل أنا مَنْ عرض عليكم مساعدتكم وأملي أن إذا رأيتم شخصًا يحتاج إلى المساعدة أن تساعدوه دون مقابل. لقد نزلت تلك الكلمات على علي كالجبل وكأنّه نائمًا فاستيقظ. ابتسمنا جميعًا وشكرناه على خدمته.

لم يحرّك مايك سيارته حتى تأكد أننا تحركنا وسلكنا الطريق السريع ومن ثم ظلّ يتبعنا حتى مفترق الطريق الذي يوصل إلى مدينة ميري ڤيل فلوّح بيده إلينا ”مع السلامة“ وما أن وصلنا إلى المدينة حتى بدأ علي يتحدث عن شهامة الرجل وكيف أنّ هذا الأمريكي بهذه الأخلاق العالية، وهذا ما كنت أخبره به، فالغالبية العظمى من الأمريكيين لا يهتمون كثيرًا بالسياسة ولا تعنيهم سياسة بلدهم الخارجية بقدر ما تعنيهم السياسة الداخلية تجاه أمورهم الحياتية اليومية.

في تلك اللحظة قرر صديقي علي أن يغيّر من نظرته تجاه زملائه الأمريكيين في الجامعة وأن يتعامل معهم بناءً على الحديث المروي عن سيد البلغاء والمتكلّمين الإمام علي حيث يقول: ”الناس صنفان، إمّا أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق“، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات «13».

هكذا هي توجيهات ديننا الحنيف، إذ يجب علينا جميعًا أن نتحلّى بتلك الأخلاق وأن تكون سلوكياتنا تبعًا لما تمليه علينا شريعة الله المقدّسة.