آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 7:57 م

طحنون بعد اثنين وأربعين عامًا: صبرٌ وشكرٌ وعِبَر

لم نلتقِ بعد شهر أغسطس من عام 1979م إلا مرَّة واحدة على ما أتذكر، بعدما أنتهى الصفّ الثالث ثانوي، مع أننا نسكن في مسافة أقل من خمسة كيلومترات، وهكذا هي الحال، مع أغلب الطلاب من مختلف البلدات الذين ضمتنا وإياهم سنواتٌ ثلاث في مدرسة القطيف الثانويَّة آنذاك، ولكن كيف التقينا مع طحنون؟

لو لم تقرأ في اللقاء سوى أن ”إنك إن صبرتَ جرت عليك المقاديرُ وأنت مأجور، وإن جزعتَ جرت عليك المقاديرُ وأنت مأزور“، وصبر طحنون ومحبة أسرته له، وروح الفكاهة التي يعبرُ بها الآن محطَّات تعبٍ جمَّة خلفها مرض السكري، الصديق الخوَّان، ومقدار عزم طحنون الذي لا يستكين، لكفى!

بالنسبة لطَحنون، بدا الأمر مقبولًا جدًّا، مع بتر ساقيه الاثنين بسبب مرض السكري. وما عدا ساقيه، كأنها كانت البارحة، لا يزال ذلك الصبيّ الطويل الحنطيّ اللون، خفيف اللحم، الذي يجلس في منتصف الصف، هادئًا يعطي بين النكتَة والأخرى بسمة. أنا الذي حين التقينا جزعتُ وبكيتُ عندما لم أر ساقيه الطويلتين الذين كان ينطّ بهما خفيفًا سريعَ الحركة في ملعب المدرسة، وهو الذي كان يسليني ويحمد اللهَ على السرَّاءِ والضرَّاء، مع أن الله أيضًا منَّ عليه بنعمٍ لا تحصى، من أولادٍ وبنات، وأصدقاء وامرأة صالحة تعينه على نوبِ الدهر!

أظنّ أن المرض حين يقتل الإنسان، يقتله من الداخل، أما إذا لم يتمكن من الداخل مثلما هو الحال في طحنون، يعيش الإنسان في سعادة، مثله مثل غيره من الأصحاء. فها هو ”حسن طحنون“ كله عزيمة ينتظر تجدد الحياة بأطرافٍ صناعيَّة لكي يعودَ إداريًّا في الجمعيَّة الخيريَّة كما كان قبل أن يجري عليه ما جرى.

كل صباح نستيقظ فيه أصحاء، ونرتدي ملابسنا بأنفسنا، لا يسعنا إلا أن نشكر اللهَ وننحني أمامه، إذ هو ابتلى غيرنا وعافانا، وندعو لغيرنا بالصبر وعظيمِ الأجر، والدنيا في كلِّ أحوالها سجنٌ للمؤمن من أمثالِ طحنون، يمر منه إلى بوابةِ راحته وحريته في الآخرة!

ولعل أفضل خاتمة لهذا اللقاء - الحزين المفرح - أنصح كل من يحتمل أن يصيبه مرض السكري أن يفحص باكرًا، فهذا المرض إما هو صديقٌ حميم وإما هو عدوٌّ لدود، إذا سيطرنا عليه يكون صديقًا لنا، وإذا استهنّا به ينهشنا أحياءَ دون رحمة!

مستشار أعلى هندسة بترول